

456 KB

بعد بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، أصبح تعزيز الأمن أحد أكثر شواغل الاتحاد الأوروبي إلحاحاً. وعلى مدى سنوات طويلة، أُوكلت هذه المسألة إلى حلف الناتو، وإلى الولايات المتحدة على وجه الخصوص. وبدأ هذا التوازن المؤسسي يتآكل عقب تغيّر الإدارة في الولايات المتحدة؛ كما أسهم الرئيس ترامب بتصريحاته الداعية الأوروبيين إلى تحمّل المسؤولية الأساسية عن دفاعهم، والمقترنة بنيته المعلنة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا. وأشارت هذه التطورات إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ضرورة الاستعداد لتحمّل عبء الأمن الإقليمي، مهما كانت صعوبة ذلك في الظروف الراهنة.
أثار هذا التحول نقاشاً محتدماً في أنحاء أوروبا حول ضرورة تحمّل مسؤولية أكبر عن دفاع القارة. وفي السنوات الأخيرة، برز اتجاه واضح يتمثل في ارتفاع الإنفاق العسكري في معظم دول الاتحاد الأوروبي، حتى إن ألمانيا، التي قيّدتها طويلاً العقيدة المالية المحافظة، خففت قيودها المستمرة منذ أمد طويل على الميزانية لدعم صناعات الدفاع الوطنية والأوروبية معاً.
وفي الوقت نفسه، تصدرت المملكة المتحدة وفرنسا تشكيل «ائتلاف الراغبين» بهدف منع مزيد من العدوان على أوكرانيا في حال التوصل إلى تسوية سلمية. وأصبح دعم أوكرانيا من دون استنزاف الموارد الوطنية ضرورةً استراتيجية لكثير من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ورغم أن المملكة المتحدة لم تعد جزءاً من الاتحاد الأوروبي، فإنها لا تزال تتقاسم مع الدول الأوروبية مسؤولية جماعية عن صون الأمن الإقليمي.
في ضوء التقليص التدريجي للوجود العسكري للولايات المتحدة في أوروبا واحتدام النقاش حول ضرورة ضمان الاستقلالية الأمنية، واجه الاتحاد الأوروبي تحدي محدودية القدرة الصناعية الدفاعية. فعلى الرغم من زيادة الإنفاق الدفاعي، تظل صناعة الدفاع الأوروبية عاجزة عن تلبية متطلبات الحرب الحديثة في الوقت المناسب، مما يخلق عجزاً هيكلياً كانت الإمدادات الأمريكية تعوضه سابقاً.

في هذا السياق، اكتسب التعاون مع شركاء من خارج الاتحاد الأوروبي قادرين على توفير المرونة التكنولوجية والديناميكية الإنتاجية أهمية متزايدة. وتبرز تركيا في هذا الصدد بوصفها إحدى الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك مجمعاً عسكرياً صناعياً متيناً. ولا تتمتع منتجاتها الدفاعية بقدرة تنافسية من حيث الجودة فحسب، بل أثبتت فعاليتها مراراً في أوضاع قتالية فعلية، كما في سوريا, ليبيا، و نزاع ناغورنو كاراباخ, و الحرب الروسية الأوكرانية. ونتيجة لذلك، خضعت تقنيات الدفاع التركية لتحديث مستمر، متكيفةً مع الديناميات المتغيرة والاتجاهات التكنولوجية للحرب المعاصرة.
لذلك، تبحث هذه المقالة تطور صناعة الدفاع التركية، وتقيّم ما إذا كان بإمكان أوروبا الاعتماد على تركيا مورّداً دفاعياً، وتستكشف التداعيات المحتملة لهذه الشراكة على التوازن الجيوسياسي للقوى.
يمكن تحديد عاملين رئيسيين بوصفهما قوتين دافعتين وراء هذه العملية.
أولهما وأهمهما التهديد الوجودي المستمر الذي تواجهه البلاد ورغبتها في السعي إلى تحقيق مصالحها الوطنية، حتى عبر الاستخدام المحتمل للقوة عند الضرورة. ويتعلق ذلك أساساً بالتهديد المنبعث من سوريا، حيث احتدمت حرب أهلية حتى وقت قريب، فأفرزت جماعات متطرفة عديدة مثل تنظيم الدولة الإسلامية, هيئة تحرير الشام, أحرار الشام, جند الأقصى، و الجيش السوري الحر. ولم تسعَ هذه الجماعات إلى زعزعة استقرار سوريا نفسها فحسب، بل شكلت أيضاً تهديدات مباشرة للدول المجاورة.
ونتيجة لذلك، أدركت تركيا الحاجة إلى بناء جيش وطني حديث ومجهز بتقنيات ملائمة للحرب غير المتكافئة وقادر على العمل بفعالية في ظروف النزاعات المعاصرة.
وكان العامل المهم الثاني هو اعتماد تركيا الطويل على واردات الأسلحة من الدول الغربية، التي استخدمت هذا الاعتماد في كثير من الأحيان أداةً للتأثير والضغط على الحكومة التركية ورئيسها. ولهذه الديناميكية جذور تاريخية عميقة. ومن أقدم الأمثلة حظر الأسلحة الذي فُرض على تركيا بعد تدخلها العسكري في قبرص عام 1974 واحتلال الجزء الشمالي من الجزيرة. ومثال آخر هو قرار الولايات المتحدة منع تسليم طائرات F-35 Joint Strike Fighter إلى تركيا في عام 2018، عقب تنامي تعاون البلاد العسكري مع روسيا.
في عام 2017، وقّعت تركيا اتفاقاً مع موسكو لشراء أنظمة الدفاع الجوي S-400 روسية الصنع، وهي خطوة أثارت رد فعل قوياً من شركاء حلف الناتو. وعلى الرغم من الجدل، بدأ تنفيذ الصفقة بعد عامين من توقيعها.
ورداً على ذلك، فرضت الولايات المتحدة سلسلة من العقوبات بموجب قانون مواجهة خصوم الولايات المتحدة من خلال العقوبات (CAATSA)، واستبعدت تركيا رسمياً من برنامج F-35. ووفقاً لتقارير وزارة خارجية الولايات المتحدة (2020) ورويترز، استهدفت هذه التدابير رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) وقيّدت تراخيص التصدير والتمويل لقطاعها الدفاعي.

كما تأثر برنامج F-35 سلباً باستبعاد تركيا، إذ كانت عناصر من سلسلة توريده مترابطةً على نحو وثيق مع مصنّعي الدفاع الأتراك، الذين كانوا مسؤولين عن إنتاج مئات المكوّنات للطائرة.
واليوم، أصبحت تركيا لاعباً رئيسياً في سوق الدفاع العالمية، وتضم شركات معروفة مثل Aselsan وBaykar وTUSAŞ (الصناعات الجوية التركية) وRoketsan وASFAT وMKE. وقد ارتفعت صادرات الدفاع التركية بنسبة 103% بين عامي 2015 و2024، مما جعل البلاد في المرتبة الـ11 بين أكبر مصدّري الأسلحة في العالم. وتشمل محفظة صادرات تركيا الصواريخ، ومعدات الطيران العسكري، والسفن البحرية، والأنظمة العسكرية البرية.
تصنّع شركات الدفاع التركية وتصدّر أنظمة إلكترونية واتصالات، ومعدات الحرب الإلكترونية (EW)، وأنظمة فرعية للدفاع الجوي والصواريخ، وطائرات مسيّرة تكتيكية وعملياتية (Bayraktar TB2 وAkıncı)، وطائرات (Hurjet وHurkus والمقاتلة TF Kaan من الجيل الخامس), وسفن بحرية (كورفيتات وزوارق دورية)، وصواريخ تكتيكية وعملياتية، وصواريخ مدفعية موجهة وغير موجهة (سلسلة TR)، وصواريخ مضادة للسفن وصواريخ تكتيكية موجهة (Atmaca وCirit وUMTAS/OMTAS), وأنظمة صواريخ باليستية تكتيكية (Bora وJ-600T Yıldırım).
أصبح النفوذ المتزايد لصناعة الدفاع التركية أكثر وضوحاً في أوروبا من خلال اتساع التعاون العسكري وتنامي محفظة عقود الأسلحة، بما يفتح الباب أمام شراكات أعمق ذات توجه استراتيجي يمكن أن تعيد تشكيل ديناميات الدفاع الإقليمي.
دخلت تركيا سوق الدفاع الأوروبية بصورة مستهدفة وتدريجية، فتابعت اتفاقات خاصة بقطاعات محددة مع وضع نفسها شريكاً قابلاً للتوسع للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كلٍّ على حدة. ومن الحالات الناجحة التي يمكن ذكرها إنتاج الذخائر مع بولندا، وتوريد المركبات إلى رومانيا، والتعاون البحري العسكري مع البرتغال. وإلى جانب العقود الثنائية، عمّقت تركيا أيضاً دورها في الأمن البحري في البحر الأسود والبحر المتوسط، وهي منطقة تحظى بأهمية استراتيجية لكل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ويعمل هذا البعد البحري بوصفه مضاعفاً للقوة، معززاً قيمة أنقرة شريكاً في الردع الجماعي، وقد يحفز تعاوناً أوسع مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
بعد غزو روسيا لأوكرانيا، أصبحت منطقة البحر الأسود منطقة تحديات وتهديدات للدول الأعضاء في حلف الناتو. ومن خلال التزامها باتفاقية مونترو لعام 1936، التي تقيّد مرور السفن العسكرية إلى البحر الأسود عند وقوع حرب بين دولتين مشاطئتين، منعت تركيا البحر من التحول إلى منطقة تسيطر عليها روسيا، أو ما يُسمى «البحيرة الروسية». وساعدت هذه السياسة في الحفاظ على ساحة قتال أكثر توازناً، ما مكّن القوات المسلحة الأوكرانية من مقاومة البحرية الروسية وحصارها البحري.
وفي وقت لاحق، من خلال استخدام صواريخ حديثة مضادة للسفن، بما في ذلك ضربات استهدفت سفناً روسية، وإدخال استراتيجيات مبتكرة مثل نشر الطائرات المسيّرة البحرية، أضعفت أوكرانيا القوات الروسية بدرجة كبيرة. وأتاح ذلك بدوره إنشاء ممر بحري إنساني جديد لتصدير السلع الأوكرانية.
في هذا السياق، برزت تركيا ليس بوصفها لاعباً إقليمياً فحسب، بل أيضاً ضامناً رئيسياً لتوازن القوى في حوض البحر الأسود. وقد ساعدت سياستها المتسقة ومرونتها الدبلوماسية في كبح الهيمنة الروسية، وهو ما أسهم، مقترناً بنجاحات القوات المسلحة الأوكرانية، في استعادة استقرار جزئي وأتاح استمرار التجارة البحرية.
في البحر المتوسط، أسهمت البحرية التركية في الحد من الهجرة غير الشرعية من دول شمال أفريقيا، وهي تحدٍّ يواجه كثيراً من دول جنوب أوروبا، بما فيها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. ولمعالجة هذه المسألة بفاعلية، تحتاج هذه الدول إلى حليف موثوق في هذه المياه وإلى قوة بحرية قادرة على مواجهة مثل هذه التهديدات. وبالتالي، أصبحت تركيا شريكاً طبيعياً، سواء بصفتها دولة قادرة على السيطرة على الطرق البحرية أو منتجاً للسفن العسكرية وسفن الدورية الحديثة.
تزداد أهمية تركيا في هاتين المنطقتين بقدر توسع أسطولها البحري، فيما تواصل البلاد تعزيز قدراتها على الدوريات البحرية. ومنذ بداية عام 2025، أطلقت تركيا بالفعل عدة سفن جديدة، في حين يجري بناء 31 سفينة إضافية في أحواض بناء السفن المحلية، بما في ذلك أول غواصات ومدمرات وحاملة طائرات منتجة محلياً في البلاد. ومن الجدير بالذكر أن نسبة المكوّن المحلي في السفينة البحرية التركية التي أُطلقت حديثاً تبلغ نحو 70–80%. ومن المتوقع أن يرفع إدخال هذه السفن الإضافية في الخدمة الحجم الإجمالي لأسطولها إلى 209 سفن، مما يعزز مكانتها قوةً بحرية كبرى.

علاوة على ذلك، تعمل صناعة بناء السفن التركية لتلبية الاحتياجات المحلية وخدمة أسواق التصدير معاً. ومن بين العملاء الأجانب الحاليين للمنصات البحرية التركية الصنع بحريات قطر وباكستان وأوكرانيا والعراق. وفي العام الماضي، وُقّعت اتفاقات جديدة لبناء السفن مع السعودية وماليزيا، وللمرة الأولى أُبرم عقد مع البرتغال. ويمثل هذا التطور دخول تركيا إلى سوق الدفاع وبناء السفن الأوروبية.
ومن ثم، فإن الدور البارز لتركيا في البحر الأسود والبحر المتوسط، مقترناً بقطاعها التنافسي والمتقدم تكنولوجياً في بناء السفن، يمثل ميزة مهمة يُرجح أن يأخذها الاتحاد الأوروبي في الحسبان عند النظر في تعاون أوثق مع أنقرة ضمن السياق الأوسع لتعزيز البنية الأمنية لأوروبا.
مع تصاعد التوتر بين روسيا والاتحاد الأوروبي، تولي الدول الأعضاء في الاتحاد اهتماماً متزايداً لتركيا بوصفها شريكاً محتملاً قادراً على ردع المخاطر القائمة والمحتملة، وكذلك توفير المعدات العسكرية الحديثة في حال حدوث مزيد من التصعيد. وتؤدي تركيا دوراً جيوسياسياً حاسماً بالنسبة إلى دول الاتحاد الأوروبي، إذ تشكل المنطقة العازلة والمحور الرئيس بين أوروبا وآسيا، بما في ذلك الشرق الأوسط. وليس التركيز على الشرق الأوسط عرضياً: فبعد رفض موارد الطاقة الروسية، اتجهت دول الاتحاد الأوروبي إلى دول الخليج بوصفها مصدراً بديلاً للإمدادات.
بالنسبة إلى تركيا، يحمل هذا التعاون أيضاً قيمة جيوسياسية كبيرة، إذ يزوّد البلاد بموارد إضافية وأوراق ضغط لدفع أهداف سياستها الخارجية.
علاوة على ذلك، تؤدي البلاد دوراً استثنائياً في القوقاز، إذ تمنع روسيا من إعادة تخصيص مواردها بالكامل، الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، من تلك المنطقة لتغذية مواجهتها الهجينة مع الاتحاد الأوروبي. ويوجد وضع مماثل في آسيا الوسطى، التي تنخرط معها تركيا بنشاط عبر منظمة الدول التركية، وهي منصة تجمع الدول الناطقة باللغات التركية. وفي السنوات الأخيرة، تكثفتأنشطة المنظمة؛ ومن الجدير بالذكر أن القمة الـ12 عُقدت في 8 أكتوبر 2025 في باكو، أذربيجان.
تُظهر هذه التطورات أن تركيا لاعب إقليمي فاعل قادر على مواجهة روسيا بفاعلية عبر أبعاد ومناطق متعددة، ما يجعلها حليفاً استراتيجياً قيّماً للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في حال حدوث مزيد من التصعيد مع موسكو.
بصفتها جزءاً لا يتجزأ من أوروبا، تعتبر تركيا عضويتها في الاتحاد الأوروبي أولوية استراتيجية. وفي إفطار احتفالي حضره جميع السفراء، كان الرئيس رجب طيب أردوغان قد أكد أهمية العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن «إرساء الأمن الأوروبي من دون تركيا أمر لا يمكن تصوره». وشدد كذلك على توقعه أن يدرك الشركاء الأوروبيون هذه الحقيقة وأن يدعموا تقدم تركيا نحو العضوية الكاملة بمنظور طويل الأمد.
في الوقت نفسه، تواجه الجهود الرامية إلى بناء علاقات أوثق مع تركيا عدة عوائق. وتشمل هذه العوائق عقبات سياسية، مثل تنامي النزعات الاستبدادية داخل تركيا، والتوتر في علاقاتها مع قبرص واليونان، وكذلك الجمود الطويل في محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقضية التكامل فعلياً في «توقف طويل»: فقد جُمّدت عملية توسيع الاتحاد الأوروبي المتعلقة بتركيا، ولا تُفتح فصول تفاوضية جديدة، وتُبلغ المفوضية الأوروبية باستمرار عن تراجع في مجالي سيادة القانون والمعايير الديمقراطية. كما أن القرار السياسي بالمضي قدماً في المفاوضات يزداد تعقيداً بسبب غياب توافق الآراء بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
على الرغم من ذلك، يواصل الرئيس رجب أردوغان إعلان اهتمام تركيا بالتكامل الأوروبي. والسؤال هو إلى أي حد تكون هذه التصريحات مجرد خطاب. فمن جهة، تستخدم أنقرة الخطاب الأوروبي للحفاظ على أوراق ضغط في المفاوضات وإضفاء الشرعية على سياستها الخارجية. ومن جهة أخرى، تتخذ تركيا بالفعل بعض الخطوات العملية: فهي تحدّث المؤسسات في مجالات مثل تنظيم الجمارك وسياسة الهجرة والبنية التحتية الرقمية، وتشارك في برامج أوروبية مختارة للبحوث والابتكار، وتعرب عن استعدادها لتعميق التكامل القطاعي. غير أن هذه الخطوات انتقائية ولا تغيّر الديناميكية السياسية العامة.
لهذا السبب، يظل التعاون الأمني والدفاعي المسار الأكثر وعداً للتقارب. وفي هذا المجال، تعد تركيا شريكاً مهماً لكل من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بما يخلق مجالاً واقعياً لتطوير العلاقات حتى في غياب تقدم في التكامل السياسي. ويمكن للمشروعات العسكرية التقنية المشتركة، والمشاركة في برامج قدرات الدفاع التابعة للاتحاد الأوروبي، والتعاون في مكافحة الإرهاب وإدارة الحدود، أن تعزز الاعتماد المتبادل بدرجة كبيرة.
كما أن موقف الاتحاد الأوروبي في هذا السياق براغماتي أيضاً. فعلى الرغم من انتقاده التطورات السياسية الداخلية في تركيا، يعترف الاتحاد بدورها في الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة وإدارة الهجرة والمبادرات الدفاعية. ولذلك، يرجح أن يطوّر الطرفان، على المدى القصير، التعاون ضمن منطق «أوروبا متعددة السرعات.» وهذا يعني أن تركيا قد تندمج تدريجياً في البعد الأمني والدفاعي، عبر المشاركة في البرامج المشتركة والمشروعات العسكرية الصناعية وتطوير أنظمة الحماية، مع بقائها خارج البنية السياسية للاتحاد الأوروبي. ويتيح هذا النهج للطرفين تعظيم المنافع المتبادلة مع الحفاظ على المرونة والبراغماتية في شراكتهما الاستراتيجية.
في ضوء عضوية تركيا في حلف الناتو، يمكن النظر إلى التعميق التدريجي للتعاون الأمني وإلى مزيد من المواءمة السياسية باعتبارهما سيناريو محتملاً لتطور العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا مستقبلاً.
يكتسب دور تركيا في مبادرة الدرع الجوي الأوروبي (ESSI) أهمية استراتيجية، إذ إن مشاركتها لا توسع التغطية الجغرافية لحماية المجال الجوي الأوروبي فحسب، بل تعزز المبادرة أيضاً بقدراتها التكنولوجية والعسكرية الخاصة. وبوصفها دولة محورية على الجناح الجنوبي لحلف الناتو، توفر تركيا عمقاً إضافياً للمراقبة والكشف المبكر عن التهديدات، وهو أمر بالغ الأهمية بوجه خاص في سياق المخاطر المتزايدة المرتبطة بالضربات الصاروخية واستخدام الأنظمة غير المأهولة. وتوفر قاعدة تركيا الصناعية الدفاعية المتطورة، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي الوطنية، فرصة لتعزيز القدرات الإجمالية لمبادرة ESSI عبر دمج حلول تكنولوجية محلية والمساهمة في مشروعات مشتركة.
علاوة على ذلك، تجعل الخبرة العملياتية الواسعة لتركيا في بيئات الأمن الإقليمي المعقدة منها شريكاً قيّماً في بناء بنية دفاع جوي أوروبية مرنة ومتعددة الطبقات. وإلى جانب البعد التقني، يحمل انضمام تركيا إلى ESSI وزناً سياسياً كبيراً أيضاً، إذ يبرهن استعداد أنقرة للانخراط في مبادرات الأمن الأوروبية، ويعزز الثقة المتبادلة، ويخلق فرصاً إضافية للمواءمة السياسية التدريجية مع الاتحاد الأوروبي في المجال الدفاعي.
ويمكن أن تمثل خطوة مهمة أخرى نحو تعاون أعمق مشاركة تركيا المحتملة في أداة SAFE (العمل الأمني من أجل أوروبا)، التي أُنشئت في إطار Re-Arm Europe / Readiness 2030 التابعة للاتحاد الأوروبي. وصُممت SAFE لتوفير ما يصل إلى €150 مليار في شكل قروض مدعومة من الاتحاد الأوروبي وطويلة الأجل، لدعم استثمارات سريعة وكبيرة النطاق في القدرات الدفاعية الحرجة، مثل الدفاع الصاروخي والطائرات المسيّرة وغيرها من الممكنات الاستراتيجية. وتشجع الأداة المشتريات المشتركة بين الدول المشاركة لتعزيز وفورات الحجم وقابلية التشغيل البيني. ومن المهم أن SAFE مفتوحة ليس فقط للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بل أيضاً للدول الثالثة في ظل شروط معينة. فأوكرانيا ودول المنطقة الاقتصادية الأوروبية والرابطة الأوروبية للتجارة الحرة (EEA-EFTA) مؤهلة صراحةً، كما يمكن للدول التي وقعت شراكة أمنية ودفاعية مع الاتحاد الأوروبي، ومن المحتمل أن تشمل تركيا، الانضمام إلى مخططات الشراء المشترك.
وبالنسبة إلى تركيا، بوصفها مصدّراً مهماً للمعدات العسكرية، ستوفر المشاركة في SAFE فرصة ملموسة لتوسيع أعمال صناعتها الدفاعية في أوروبا والمواءمة بصورة أوثق مع أولويات الأمن الأوروبية. ومن خلال الإسهام بأنظمتها في برامج الاقتناء الأوروبية المشتركة، تستطيع تركيا تعميق اندماجها في القاعدة التكنولوجية والصناعية الدفاعية الأوروبية (EDTIB)، وزيادة نفوذها في البنية الأمنية الإقليمية، والاستفادة من شروط تمويل مواتية لصادراتها الدفاعية. كما أن هذا الانخراط سيعزز مواءمة تركيا السياسية مع مبادرات الدفاع التابعة للاتحاد الأوروبي، فيشير إلى التزام ملموس بالدفاع الجماعي الأوروبي مع توظيف مواطن قوتها الصناعية.
في ظل هذا السيناريو، لن تتمكن تركيا إلا من المشاركة في مشروعات مختارة ضمن تعاونها مع الاتحاد الأوروبي، من دون إمكانية التوسع إلى انخراط أوسع في الصناعة الدفاعية مع جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وسيشمل ذلك أساساً المشاركة في مكونات محددة من برامج الاتحاد الأوروبي، مثل التطوير التكنولوجي المشترك في مجال C4ISR، وتحديث أنظمة الدفاع الجوي، ومبادرات الأمن السيبراني، أو الانخراط في مشاريع PESCO التي يُسمح فيها رسمياً بمشاركة الدول الثالثة. وقد تشمل هذه، على سبيل المثال، مشروعات متعلقة بمنصات التنقل العسكري، أو مكونات الأنظمة غير المأهولة، أو المشاركة في اتحادات تنتج عناصر ممولة عبر صندوق الدفاع الأوروبي (EDF). لكن هذه المشاركة لن تتطور إلى تكامل منهجي، إذ يرجح أن تظل معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حذرة من منح تركيا إمكانية الوصول إلى سلاسل القيمة الصناعية الحساسة استراتيجياً.
في سياق إعادة توزيع محتملة للمسؤوليات الأمنية، ولا سيما في حال تراجع الوجود العسكري للولايات المتحدة في أوروبا، ستواجه الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي معضلة استراتيجية: ضمان الأمن إما عبر استيراد أنظمة أسلحة أجنبية أو عبر توسيع قاعدتها الصناعية الدفاعية الخاصة. وسيزيد المسار الأول الاعتماد على التقنيات الخارجية ويؤدي إلى تدفقات مالية كبيرة إلى خارج الاتحاد. أما المسار الثاني فسيولّد فرص عمل، ويدعم تطوير التجمعات الصناعية المحلية، ويسهم في الاستقلالية الاستراتيجية، وإن كان ذلك على حساب مزيد من التجزؤ والازدواجية داخل صناعة الدفاع الأوروبية. وفي ضوء الاتجاهات الجيوسياسية الحالية، يبدو السيناريو الأخير أكثر ترجيحاً.
ويتعلق بُعدٌ إضافي بـ النفوذ الذي قد يتيحه ذلك لتركيا. فقد استخدمت أنقرة بالفعل دورها حاجزاً أمام تدفقات الهجرة أداةَ تفاوض في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. وقد يتيح تعميق التعاون الدفاعي لتركيا أدوات إضافية للتأثير، مثلاً من خلال السيطرة على المكوّنات الحيوية أو التقنيات المدمجة في أنظمة الأسلحة الأوروبية. وقد يعزز مثل هذا التطور طموحات تركيا الإقليمية ويحسن موقعها التفاوضي في القضايا المتعلقة بشرق البحر المتوسط وقبرص وتحديث الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. وقد أعربت عدة مراكز أبحاث أوروبية بالفعل عن قلقها من أن اعتماد الاتحاد الأوروبي المفرط على القدرات الصناعية التركية قد ينطوي على مخاطر سياسية مماثلة لتلك التي لوحظت بالفعل في مجال الهجرة.
وبذلك، يرجح أن تؤدي تركيا أساساً دور مزوّد مؤقت للتكنولوجيا ومستشار في توطين إنتاج الدفاع داخل الاتحاد الأوروبي، بدلاً من أن تكون مورّداً طويل الأجل. ومع ذلك، يمكن لأنقرة أن تظل مصدّراً تنافسياً في قطاعات معينة، ولا سيما في المجالات التي تمتلك فيها بالفعل قدرات متقدمة، مثل المركبات الجوية غير المأهولة (UAVs)، والذخائر الجوالة، ومحفظة متنامية من أنظمة الصواريخ. وستسمح المزايا التكنولوجية الحالية لتركيا في هذه المجالات بالحفاظ على مواقعها التصديرية إلى أن تطور الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قدراتها الإنتاجية الذاتية المستقلة تماماً لهذه الأنظمة المعقدة.
خدمة البحوث في البرلمان الأوروبي (EPRS) درست واستشرفت سيناريوهات محتملة لتطور البنية الأمنية الأوروبية حتى عامي 2035 و2050. وتشمل هذه السيناريوهات استمرار مركزية حلف الناتو بوصفه الإطار الأمني الرئيس في أوروبا؛ وإنشاء «حلف ناتو أوروبي» منفصل يمكن أن يشمل تركيا مع استبعاد الدول غير الأوروبية؛ وإقامة اتحاد دفاع أوروبي مستقل؛ وسياسة «الترقيع» التي تنطوي على ظهور مراكز منفصلة داخل الاتحاد الأوروبي، يجمع كل منها دولاً أعضاء أخرى تحت إطار واحد؛ والتحول نحو نموذج للتعاون قائم على التعايش السلمي، يمكن أن ينجم عن السيناريوهات الأربعة السابقة.
ضمن هذه السيناريوهات، يتراوح دور تركيا بين فاعل إيجابي يتقاسم التهديدات والتحديات الأمنية مع دول الاتحاد الأوروبي، وعنصر قد يكون خصماً، بالنظر إلى اختلافاتها العرضية عن سياسات الاتحاد الأوروبي وتحركاتها الأحادية في المناطق المتنازع عليها. ويتصور سيناريو آخر أن تؤدي تركيا دور وسيط إقليمي، فتربط بين أجزاء أوروبا المتشظية وتنسق الجهود المشتركة عبر التعاون منفردة مع الدول الأعضاء. وينبع نفوذ تركيا في هذا الدور من موقعها الجغرافي، وسيطرتها على تدفقات الهجرة، وعلاقاتها الثنائية الراسخة، وقدراتها الصناعية الدفاعية التي يمكن أن تدعم المبادرات الأوروبية المحلية.
في ظل الظروف الحالية، ومع بقاء تكامل تركيا في الاتحاد الأوروبي معلقاً فعلياً، يرى السيناريو الأرجح أن تركز أنقرة على المبادرات الإقليمية والمشروعات الثنائية مع الإبقاء على تنسيق محدود مع الاتحاد الأوروبي. ويتيح هذا النهج تخفيف التوترات في مجالات محددة من دون استلزام تقدم كبير في التكامل الرسمي، مانحاً تركيا مجالاً للمناورة في دفع مصالحها الوطنية. ويظهر أن دور تركيا ليس إيجابياً أو سلبياً على نحو قاطع، بل مرن تبعاً للسياق ومجالات التفاعل مع الاتحاد الأوروبي.
تمتلك تركيا إمكانات كبيرة لتعميق تعاونها مع الاتحاد الأوروبي في مجال الأمن؛ غير أن تحقيق هذه الإمكانات يظل مقيداً بمجموعة من العوامل السياسية والاستراتيجية. وعلى الرغم من مزاياها، المتمثلة في امتلاك قاعدة صناعية دفاعية متطورة وموقع جغرافي استراتيجي وقوات مسلحة قوية وخبرة واسعة في المهام الدولية، فإن التفاعل بين أنقرة وبروكسل يحتفظ إلى حد بعيد بطابع انتقائي وبراغماتي.
ومن الشروط الأساسية لأي تقارب جوهري توافر الاستعداد السياسي المتبادل. وبالنسبة إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تظل الحوكمة الداخلية التركية المتزايدة الاستبداد عاملاً مقيداً ملحوظاً. وفي المقابل، تُظهر القيادة التركية استعداداً محدوداً لتقديم تنازلات، إذ تسعى إلى الحفاظ على الاستقلالية الاستراتيجية في السياسة الداخلية والخارجية معاً، وتبدي تردداً في الانخراط في تكامل مؤسسي عميق ضمن الهياكل الأمنية للاتحاد الأوروبي.
في هذه الظروف، يبدو الاندماج الكامل لتركيا في البنية الأمنية للاتحاد الأوروبي غير مرجح. وبدلاً من ذلك، يتمثل السيناريو الأكثر واقعية في استمرار التعاون الانتقائي والقائم على القضايا والثنائي مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كلٍّ على حدة، بما يمكّن أنقرة من استخدام هذه الشراكات أدواتٍ لدفع أهداف سياستها الخارجية.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يحقق تعميق التعاون الدفاعي منافع متبادلة. إذ تستطيع تركيا تعزيز القدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي عبر المشاركة في مشروعات مشتركة، وإتاحة الوصول إلى تقنياتها الدفاعية، وتطوير مبادرات الإنتاج المشترك، وإسهامها في الاستقرار في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. وبالنسبة إلى أنقرة، تشمل الفوائد المحتملة توسيع الوصول إلى أسواق الدفاع الأوروبية، وإلى الأدوات التكنولوجية والمالية للاتحاد الأوروبي، وزيادة قدرتها على الفعل السياسي ضمن السياق الأوروبي.
وبذلك، فإن المسار الأرجح هو نموذج للتعاون الانتقائي والبراغماتي ومتبادل المنفعة، لا ينطوي على اندماج تركيا الكامل في الهياكل الأمنية للاتحاد الأوروبي، لكنه يسهم مع ذلك في تعزيز الأمن الإقليمي وتحسين قدرة الطرفين على مواجهة التحديات المعاصرة.
إن الآراء والأفكار والمواقف المعبر عنها في الأوراق المنشورة على هذا الموقع تخص المؤلفين وحدهم، ولا تعكس بالضرورة آراء مركز الحوار عبر الأطلسي أو لجانه أو منظماته التابعة. وتهدف هذه الأوراق إلى تحفيز الحوار والنقاش، ولا تمثل مواقف سياسية رسمية لمركز الحوار عبر الأطلسي أو لأي منظمات أخرى قد يكون المؤلفون مرتبطين بها.
تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.