Cover image for: Energy as a Bridge: Why the EU Needs a Southern Stability Belt in North Africa

الطاقة جسراً: لماذا يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى حزام استقرار جنوبي في شمال أفريقيا

Clock Icon 12 دقائق للقراءة
By Viacheslav Musiienko
يونيو 25, 2026

المحتويات

652 KB

Cover image for: Energy as a Bridge: Why the EU Needs a Southern Stability Belt in North Africa

بعد تقليص اعتماده على إمدادات الطاقة الروسية، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام خيار يتجاوز سياسة الطاقة بكثير. ويُنظر بصورة متزايدة إلى المسار الجنوبي، ولا سيما المغرب العربي، بوصفه جزءاً من البنية الجديدة للطاقة في أوروبا: فالجزائر قادرة على زيادة كميات الغاز عبر الأنابيب بسرعة، بينما يتموضع المغرب كمنصة للتحول «الأخضر» وسلاسل قيمة الطاقة المستقبلية. غير أن الرهان الأساسي هنا لا يقتصر على الإمدادات، بل يشمل الأثر السياسي: إذ يمكن للشراكة في مجال الطاقة أن تصبح جسراً نحو بناء «حزام استقرار» في الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي، وهو جوار لا يقل اعتماد أوروبا عليه عن جوارها الشرقي.

لكن من دون إطار سياسي واستثمارات موجهة، قد يظل التعاون في مجال الطاقة صفقة ظرفية بدلاً من أن يكون أساساً لعلاقات مستقرة. فغياب الربط البيني، وتحديات الحوكمة في القطاع، وقضية الصحراء الغربية، والتنافس الجزائري–المغربي، كلها عوامل تحدد مباشرة ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً على تحويل المسار الجنوبي من مجرد «سوق للموارد» إلى فضاء للشراكة والاستقرار.

ما الذي يبحث عنه الاتحاد الأوروبي في المسار الجنوبي

غالباً ما يُوصف المسار الجنوبي في سياسة الطاقة الأوروبية بأنه «الأقرب»، ومن ثم يبدو ركيزة طبيعية لتنويع المصادر، ولا سيما بعد تقليص الواردات من روسيا وفي إطار منطق REPowerEU. ويبدو المغرب العربي جذاباً بالفعل: لقربه الجغرافي، ومسارات الإمداد القائمة إلى الدول الأعضاء الجنوبية في الاتحاد الأوروبي، وروابطه التاريخية الوثيقة، وإمكاناته الاستثمارية الكبيرة التي يمكن «تغليفها» ليس فقط في هيئة صفقات طاقة بل أيضاً كشراكة تنموية أوسع. ووفقاً لـ استعراض التقدم المحرز في REPowerEU، تظل الجزائر مورداً رئيسياً وموثوقاً للغاز إلى الاتحاد الأوروبي، بما يؤكد استمرار أهمية المسار الجنوبي.

لكن هنا تحديداً يظهر المأزق الرئيسي: فنجاح المسار الجنوبي لا يتحدد فقط بكمية الغاز أو عدد الميغاواط التي تستطيع الجزائر أو المغرب تقديمها، بل بمدى قدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل الطاقة إلى أداة قابلة للإدارة والتنبؤ والتوسّع في السياسة الخارجية؛ أي إلى جسر للاستقرار بدلاً من أداة إسعافية «لسدّ النقص».

أولاً، حتى مع توافر قاعدة من الموارد والاستعداد لتوفير كميات إضافية، تواجه أوروبا قيوداً داخلية في البنية التحتية. وأوضح مثال على ذلك هو عدم كفاية قدرة الربط البيني بين إسبانيا وفرنسا. ولطالما عملت شبه الجزيرة الإيبيرية بوصفها جزيرة طاقة – وهو عنق زجاجة هيكلي يعالجه الاتحاد الأوروبي الآن باستثمار بقيمة 1.6 مليار يورو (EUR) من البنك الأوروبي للاستثمار (EIB) في وصلة خليج بسكاي البينية، من شأنه رفع قدرة التبادل من 2.8 GW إلى 5 GW. ونتيجة لذلك، يعمل المسار الجنوبي غالباً حلاً للدول الأعضاء منفردة، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى ضمانة منظومية للاتحاد ككل. وهذا يعني أن أي نقاش حول المغرب العربي بوصفه ركناً من أركان بنية الطاقة الأوروبية الجديدة يصطدم حتماً بمنطق شبكة الاتحاد الأوروبي نفسه: فتنويع الموردين من دون تنويع «الشرايين» الداخلية وتعزيزها لا يحقق مكسباً استراتيجياً كاملاً.

ثانياً، لا يمكن النظر إلى المسار الجنوبي بمعزل عن الاقتصاد السياسي للمنطقة. فعلى خلاف الفكرة التكنوقراطية القائلة بـ«سوق الموردين»، يشكّل المغرب العربي فضاءً يمكن أن تصبح فيه البنية التحتية للطاقة ومساراتها جزءاً من التنافس السياسي والصراع الدبلوماسي. فالتنافس الجزائري–المغربي، وقضية الصحراء الغربية، والشكوك المتبادلة تجعل حتى المشاريع الواعدة ترتيبات هشة: فهي لا تعتمد على السعر أو التكنولوجيا وحدهما، بل على المناخ السياسي والبيئة الأمنية والشرعية الداخلية للقرارات والتوازنات الإقليمية. وهذا يخلق تحدياً عملياً للاتحاد الأوروبي: فلا يمكن بناء «حزام استقرار» عبر الطاقة إلا عندما تُعزَّز ترتيبات الطاقة بإطار أوسع للحضور، استثماري ومؤسسي وأمني، وعندما لا يُكتفى بالإقرار بمخاطر الصراع بل تُدار بفاعلية.

ثالثاً، تتشكل سياسة الطاقة الأوروبية في آن واحد وفق أفقين زمنيين ليس من السهل دائماً التوفيق بينهما. فعلى المدى القصير، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى كميات موثوقة من مصادر غير روسية وحلول سريعة نسبياً لتحقيق الاستقرار في سوق الطاقة. أما على المدى الطويل، فيسود منطق إزالة الكربون: الصفقة الخضراء، وأهداف الحياد المناخي، والتحول الصناعي. وفي سياق المغرب العربي، يعني ذلك ألا يُوضَع شِقّا جدول الأعمال، «الغاز» و«الأخضر»، في مواجهة بعضهما بعضاً. فإذا استثمر الاتحاد الأوروبي في البنية التحتية للوقود الأحفوري وحدها من دون خطة تضمن توافقها مع سلاسل القيمة المستقبلية منخفضة الكربون، فإنه يخاطر بخلق تبعيات جديدة وأصول عالقة. وإذا راهن، من جهة أخرى، على التقنيات الخضراء وحدها، فقد يكون أثرها أبطأ من أن يلبي الاحتياجات الراهنة. لذلك تصبح جودة الاستثمارات وتصميم الشراكات حاسمين: إذ ينبغي للحلول أن تعزز مرونة الطاقة «هنا والآن»، مع إبقاء مجال للتحول التكنولوجي والانتقال «لاحقاً».

وفي المحصلة، يمثل مسار الطاقة الجنوبي بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي اختباراً لقدرته على الجمع بين سياسة البنية التحتية الداخلية، والحضور الاستثماري الخارجي، وسياسة الجوار في بناء استراتيجي واحد. ولهذا تحديداً يمكن للطاقة أن تصبح جسراً نحو روابط مستقرة و«حزام استقرار» في الجوار الجنوبي، ولكن فقط إذا تعامل الاتحاد الأوروبي مع المغرب العربي لا بوصفه بديلاً مؤقتاً للإمدادات، بل فضاءً لشراكة طويلة الأجل يتطلب فيها الاستقرار والمنفعة المتبادلة استثماراً متكاملاً على مستوى المنظومة وإطاراً سياسياً.

الجزائر: ركيزة قصيرة الأجل للإمدادات في ظل قيود منظومية

في معادلة الطاقة الجنوبية للاتحاد الأوروبي، تبدو الجزائر الشريك الأوضح لأنها تقدم ما تفتقر إليه أوروبا في فترة الاضطراب: قرباً جغرافياً نسبياً، ومسارات أنابيب قائمة، وقدرة على دعم منظومة الطاقة من دون التعرض المستمر للمنافسة العالمية على ناقلات LNG والممرات البحرية الخانقة. ولهذا، بعد 2022، لم يعد المسار الجزائري يُنظر إليه باعتباره خياراً من بين خيارات أخرى فحسب، بل أداة عملية لتعزيز المرونة سريعاً، ولا سيما للدول الأعضاء الجنوبية في الاتحاد الأوروبي. فعلى سبيل المثال، اتفقت إيطاليا والجزائر على زيادة إمدادات الغاز إلى 9 bcm/year بحلول 2024 عبر خط أنابيب TRANSMED. وبهذا المعنى، تمثل الجزائر المسافة الأقصر: إذ يمكنها تحقيق أثر أسرع من أي مشاريع خضراء كبرى تتطلب سنوات من الإعداد والتمويل ونشر البنية التحتية.

Cover image for: Energy as a Bridge: Why the EU Needs a Southern Stability Belt in North Africa

المحتويات

غير أن الشراكة الاستراتيجية مع الجزائر لا يمكن اختزالها في منطق «مزيد من الأمتار المكعبة يساوي مزيداً من الأمن». فالواقع أكثر تعقيداً، وفي هذا التعقيد تحديداً تكمن دروس الاتحاد الأوروبي الأساسية. أولاً، حتى عندما تمتلك الجزائر القدرة على زيادة الإمدادات، يظل أثر ذلك في وضع الطاقة الأوروبي ككل غير متكافئ: فالغاز يدخل أوروبا عبر مسارات بعينها، ويعزز أساساً الأسواق الأقرب جغرافياً أو الأفضل اتصالاً. ومن دون وصلات ربط داخلية أقوى في الاتحاد الأوروبي، لا تصبح الجزائر «مورداً للجميع»، بل تظل بالغة الأهمية، ولكن لجزء من الاتحاد في المقام الأول.

ثانياً، لقطاع الطاقة الجزائري «حدوده الداخلية» الخاصة: بنية تحتية متقادمة، وقيود تنظيمية، وبيئة استثمارية قومية تنفّر رأس المال الأجنبي — وكلها تؤثر مباشرة في قدرة البلد على توسيع صادراته بصورة مستدامة. وقد شهدت إيطاليا، أكبر زبائن الجزائر في الاتحاد الأوروبي، انخفاض حصة الجزائر من وارداتها من الغاز من 44% في 2022 إلى 36% في 2024. ويظل الأثر في وضع الطاقة الأوروبي ككل غير متكافئ: فالغاز يدخل أوروبا عبر مسارات محددة ويعزز أساساً الأسواق الأقرب جغرافياً أو الأفضل اتصالاً.

وثمة أيضاً عامل الأفق الزمني: فالاتحاد الأوروبي يفكر بمنطق الانتقال وإزالة الكربون واقتصاد الهيدروجين المستقبلي، بينما يظل نموذج إيرادات الجزائر مرتبطاً إلى حد كبير بالهيدروكربونات. وقد عكس أحدث الحوار رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي والجزائر حول الطاقة (فبراير 2026) هذا التوتر، إذ تناولت المناقشات التعاون في الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين، بما يشير إلى أن بروكسل تدفع نحو توسيع العلاقة إلى ما يتجاوز الوقود الأحفوري. وهذا لا يخلق صراعاً، بل توتراً في المصالح يجب معايرته على نحو صحيح كي لا تتحول الشراكة إلى معاملة مؤقتة.

لذلك، تمثل الجزائر للاتحاد الأوروبي فرصة وتحدياً في آن واحد. فالفرصة هي قدرتها على المساعدة في تخفيف الأعباء عن أوروبا خلال فترة الانتقال. أما التحدي، فهو أن تحقيق مكسب استراتيجي حقيقي يتطلب نوعية مختلفة من الانخراط: ليس مجرد شراء مورد، بل بناء إطار من الثقة وقابلية التنبؤ يشمل الاستثمار في تحديث القطاع، والبنية التحتية، وقواعد اللعبة الشفافة، والمواءمة التدريجية لحوار الطاقة مع أهداف الاتحاد الأوروبي طويلة الأجل.

وهذا بالغ الأهمية، خاصة في منطق «حزام الاستقرار»: فالإمدادات المستقرة تنشأ حيث تتوافر ظروف مؤسسية واقتصادية مستقرة، لا حيث توجد المكامن فحسب.

المغرب: منصة للتحول «الأخضر»

إذا كانت الجزائر في هذه القصة شريكاً لأمن الطاقة «اليوم»، فإن المغرب أقرب إلى أن يكون شريكاً لبنية «الغد». فالبلد لا يمتلك احتياطيات مماثلة من الغاز أو النفط؛ بل يبني دوره في مجال الطاقة على التوليد المتجدد وفكرة تحويل القرب الجغرافي من أوروبا إلى ميزة اقتصادية. وقد أرست الشراكة الخضراء بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، التي وُقّعت في أكتوبر 2022 وكانت أول اتفاق من نوعه ضمن البعد الخارجي للصفقة الخضراء الأوروبية، حواراً سياسياً حول المناخ والطاقة والاقتصاد الأخضر، شمل صراحةً تطوير اقتصاد الهيدروجين. وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، يفتح هذا نمطاً مختلفاً من الانخراط: لا إحلالاً سريعاً للإمدادات، بل شراكة استثمارية قادرة على إنشاء سلاسل قيمة جديدة.

طموحات المغرب في هذا المجال كبيرة. ففي مارس 2024، أطلقت الحكومة برنامج «عرض المغرب» الاستثماري، مخصِّصةً 300,000 هكتار لمشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر تبلغ قيمتها نحو $32.5 مليار، وتركز على الأمونيا الخضراء والوقود الإلكتروني والصلب الأخضر. وبحلول مارس 2025، كان قد جرى اختيار خمسة تحالفات استثمارية مسبقاً للمرحلة الأولى. ويهدف البلد إلى رفع حصة مصادر الطاقة المتجددة إلى 52% من إجمالي القدرة المركبة بحلول 2030. ألمانيا وهولندا وشركاء أوروبيون آخرون وقعوا بالفعل خطط عمل ثنائية ومذكرات تفاهم تدعم الهيدروجين والبنية التحتية للموانئ وممرات الشحن الأخضر.

Cover image for: Energy as a Bridge: Why the EU Needs a Southern Stability Belt in North Africa
يُعد مشروع نور المغربي الضخم للطاقة الشمسية المركزة أحد أكبر منشآت الطاقة المتجددة في المنطقة
المصدر: Xinhua/SEPCO III/picture alliance

وهنا تحديداً تؤدي الطاقة دورها الأفضل بوصفها «جسراً». فالمسار المغربي يتيح للاتحاد الأوروبي وصل مصالحه في الطاقة بالمنطق الأوسع لسياسة الجوار الأوروبية: التنمية والبنية التحتية والتعاون التكنولوجي والتوظيف وتعزيز مرونة الشركاء. ومن منظور أوسع، ينسجم ذلك مع الفكرة الأوروبية للاستقرار عبر التنمية، حيث لا يقتصر دور الشريك على توريد مورد بل يصبح مشاركاً في تحول مشترك. ويجدر التنويه، مع ذلك، إلى أنه اعتباراً من 2026، ستخضع الكهرباء لآلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي (CBAM)، وهو ما ينقل قوة المساومة نحو بروكسل ويعزز إلحاح إزالة الكربون لدى المنتجين المغاربة.

لكن إمكانات المغرب لا توجد في فراغ؛ فهي تصطدم بمخاطر سياسية وتوترات إقليمية، ولا سيما حول الصحراء الغربية، فضلاً عن الحاجة إلى استثمارات كبيرة وطويلة الأجل تتطلب مستوى مرتفعاً من قابلية التنبؤ والثقة.

ومن المهم التشديد على ذلك لتفادي صنع الأوهام: فقد تصبح الأجندة «الخضراء» في الجنوب قصة نجاح للاتحاد الأوروبي، لكنها ليست تلقائية ولا حلاً سريعاً. ولهذا ينبغي عرض المغرب هنا لا بديلاً من الجزائر، بل طبقة أخرى من الاستراتيجية نفسها: يمكن للجزائر تعزيز المرونة على المدى القصير، بينما يستطيع المغرب مساعدة أوروبا على الاستثمار في نموذج طاقة مستقبلي، وعلى نطاق أوسع، في الاستقرار طويل الأجل للجوار الجنوبي.

التنافس الجزائري–المغربي: الخطر الرئيسي على سياسة «متماسكة» للاتحاد الأوروبي

في اللحظة التي يحاول فيها الاتحاد الأوروبي بناء «حزام استقرار» طويل الأجل في شمال أفريقيا، فإن أصعب عناصر هذا البناء ليس نقص الموارد أو حتى شح الأموال، بل الهندسة السياسية للمنطقة. فمنذ 2021، حين قطعت الجزائر العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، انخرط الجاران في أزمة عميقة. ووفقاً لـ مجموعة الأزمات الدولية، تهدد الحوادث في الصحراء الغربية بأن تدفع البلدين إلى الاشتباك، كما ترسخت الشكوك المتبادلة إلى حد كبير.

غالباً ما تبدو الجزائر والمغرب لبروكسل مسارين منفصلين للتعاون — لكل منهما أهميته وإمكاناته الواعدة، ولكل منهما مصالحه وصيغ حواره الخاصة مع الاتحاد الأوروبي. لكن هذين المسارين يتقاطعان عملياً: فالتنافس بين البلدين يعني أن الطاقة هنا لا تكاد تبقى «اقتصاداً خالصاً». وسرعان ما تصبح لغةً للإشارات السياسية، وأداةً للتنافس على النفوذ، ووسيلةً للضغط. وقد شرع البلدان في استخدام الطاقة والتجارة أداتين لتعزيز طموحاتهما الاستراتيجية — الجزائر عبر نفوذها الغازي على إيطاليا وألمانيا، والمغرب عبر مشروع خط أنابيب نيجيريا وشراكاته الخليجية. ولذلك، فإن أي استراتيجية أوروبية تتجاهل هذه الخلفية تخاطر بأن تنجح فقط ما دام الإقليم يحتفظ بنوع من «الطقس المعتدل».

العقدة المركزية في هذا التنافس هي قضية الصحراء الغربية وما يرتبط بها من دعم الجزائر لجبهة البوليساريو. وكان أبرز تجلٍّ طاقي لهذا الصراع قرار الجزائر عام 2021 وقف صادرات الغاز عبر خط أنابيب المغرب العربي–أوروبا المار في الأراضي المغربية. وكما يشير تحليل حديث لـ صندوق مارشال الألماني ، فإن تنافس الجزائر مع المغرب يشكل مباشرة دبلوماسيتها في مجال الطاقة ويقيد قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع الممر الشمالي بوصفه منطقة إمداد متماسكة، فيما يتعمق التعقيد الجيوسياسي أكثر بسبب اعتماد الجزائر في تسليحها على موسكو.

بالنسبة إلى المغرب، هذه مسألة تتعلق بسلامة أراضيه وشرعيته الداخلية، ومن ثم فهي خط أحمر يصوغ المنطق العام لسياسته الخارجية. أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن دعم البوليساريو ليس مجرد عنصر من عناصر السياسة الإقليمية، بل أيضاً وسيلة للحفاظ على دورها في ميزان القوى في المغرب العربي. ونتيجة لذلك، يصبح صراع قد يبدو للوهلة الأولى «منفصلاً» عن الطاقة متداخلاً مع مسارات الطاقة، وآفاق مشاريع البنية التحتية الكبرى، ومستوى الثقة العام. وهنا يجب على الاتحاد الأوروبي أن يدرك أن حتى أفضل المشاريع التقنية قد تفقد معناها إذا لم تنسجم مع الواقع السياسي للمنطقة.

Cover image for: Energy as a Bridge: Why the EU Needs a Southern Stability Belt in North Africa
المصدر: سياسة الأعلام. متظاهرون جزائريون يلوحون بالعلم الأمازيغي (C) والأعلام الوطنية خلال مظاهرات في الجزائر العاصمة، 21 يونيو 2019. (AFP)

ولهذا تحديداً يكون تعاون الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة مع المغرب العربي عرضة لتقلبات حادة. وقد يكفي تدهور العلاقات الدبلوماسية أو تصعيد الخطاب لكي تتعرض الإمدادات أو عمليات العبور أو التنسيق للضغط. وبالنسبة إلى أوروبا، يعني ذلك أن الرهان على المسار الجنوبي لا يمكن أن يُبنى حصراً على «صفقات ثنائية مع كل منهما». وإذا أراد الاتحاد الأوروبي أن تكون الطاقة جسراً نحو روابط مستقرة، فهو يحتاج على الأقل إلى آليات تقلل خطر «تأثير الدومينو»، حيث تزعزع التوترات بين الجزائر والمغرب المشهد الإقليمي الأوسع.

ومن المناسب هنا إجراء موازاة حذرة مع الجوار الشرقي: ففي الشرق والجنوب معاً، يواجه الاتحاد الأوروبي واقع أن الصراعات السياسية الكبرى قادرة على إعادة صياغة قرارات الطاقة والبنية التحتية. والفرق هو أنه ما زال لدى أوروبا في المغرب العربي مجال أوسع لـ«أجندة إيجابية» تشمل الاستثمار والتنمية والتعاون التكنولوجي ومشاريع البنية التحتية طويلة الأجل، وهذا الحيز تحديداً يمكن استخدامه كضمانة. لكن المنطق الأساسي واحد: إذا لم يُدرج الاتحاد الأوروبي المخاطر السياسية في تصميم شراكاته في مجال الطاقة، فإنه يحكم على نفسه بألا يدير الأزمات إلا بردود الفعل، حيث يتطلب كل تصعيد «إخماد الحرائق» بدلاً من المضي بثبات نحو مرونة طويلة الأجل.

يمكن بناء حزام استقرار عبر الطاقة، ولكن فقط إذا أدركت أوروبا أن استقرار المسارات واستقرار المنطقة مترابطان، وأن الاستثمار من دون إطار سياسي قد لا يزيد أحياناً إلا كلفة الأزمات المستقبلية.

ما الذي يستطيع الاتحاد الأوروبي فعله: ثلاثة خيارات على مستوى السياسات

حين يتحدث الاتحاد الأوروبي عن شمال أفريقيا بوصفها جزءاً من بنية طاقة أوروبية جديدة، فإن السؤال الأساسي ليس «هل نتعاون؟»، بل «كيف؟» — وفق أي منطق، وبأي أدوات، وعلى أي أفق زمني. وعملياً، لدى الاتحاد ثلاثة مسارات متميزة على الأقل، يستجيب كل منها على نحو مختلف للمعضلة بين تأمين الطاقة سريعاً والطموح طويل الأجل لتحويل الطاقة إلى جسر للاستقرار في الجوار الجنوبي.

أبسط الخيارات هو الاستمرار في مسارات ثنائية متوازية: تعميق التعاون مع الجزائر والمغرب كلٍّ على حدة، من دون الانتقال إلى صيغ أكثر تعقيداً يضطر فيها الاتحاد الأوروبي إلى العمل ميسّراً أو وسيطاً بين متنافسين. ويتميز هذا النموذج بخفته السياسية: فهو يتيح للاتحاد الأوروبي تجنب الموضوعات التي سرعان ما تصبح سامة، والتركيز على المسائل العملية — العقود، واتفاقيات الاستثمار، والمشاريع الموجهة. لكن قصوره واضح: فالنهج الثنائي لا يزيل هشاشة المنطقة؛ بل يعلّم الاتحاد الأوروبي فحسب كيف يتعايش معها. وقد ينجح في فترات الهدوء النسبي، لكن حين يحتدم التنافس أو تتآكل الثقة، تتعرض الطاقة للمخاطر من جديد، وتدفع أوروبا عملياً ثمن غياب الضمانات المنظومية.

الخيار الثاني — وهو الأكثر انسجاماً مع فكرة «حزام الاستقرار» — يتمثل في التعامل مع البنية التحتية والاستثمار بوصفهما شكلاً من أشكال الاستراتيجية، لا مجموعة من المشاريع المنفردة. وفي هذا النهج، يقر الاتحاد الأوروبي بأن التنويع لا ينجح إلا حين تستطيع شبكة أوروبا الداخلية توزيع المورد، وحين تمتلك البلدان الشريكة القدرة المؤسسية والتنظيمية لأن تكون موردين أو منصات إنتاج يمكن التنبؤ بها.

وهذا يعني الاستثمار ليس فقط «هناك» في المغرب العربي، بل أيضاً «هنا» في قلب أوروبا: في الوصلات ومرونة المنظومة والربط البيني وتحديث الشبكات. وبالتوازي، يعني الاستثمار في قطاعات الطاقة لدى الشركاء بطرائق لا تعزز كميات الإمداد أو الميغاواط المولدة فحسب، بل المرونة الأوسع: الحوكمة، وقواعد اللعبة الشفافة، وتطوير البنية التحتية، والآثار الاجتماعية والاقتصادية. وهكذا يمكن للطاقة أن تؤدي وظيفة الجسر: إذ تمنح الاتحاد الأوروبي أساساً ملموساً لشراكة أطول أجلاً يُبنى فيها الاستقرار عبر التنمية والاعتماد المتبادل، لا عبر مشتريات زمن الأزمات وحدها.

الخيار الثالث هو رهان تكنولوجي أخضر، يركز فيه الاتحاد الأوروبي أساساً على التعاون مع المغرب بوصفه منصة مستقبلية للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والمنتجات المشتقة منهما. ويتوافق هذا النهج على أفضل وجه مع منطق الاتحاد الأوروبي المناخي، ويمكنه أن يحقق اندماجاً أعمق في سلاسل القيمة المستقبلية. لكنه يواجه قيدين طبيعيين: الوقت والكلفة. فنادراً ما تحقق المشاريع الخضراء أثراً سريعاً؛ إذ تحتاج إلى دورات استثمار طويلة، وبنية تحتية، وأطر تنظيمية، والأهم من ذلك، بيئة سياسية مستقرة. لذلك يمكن أن يكون «الرهان الأخضر» عنصراً قوياً في الاستراتيجية طويلة الأجل، لكنه لا يستطيع أن يحل بالكامل محل الحلول قصيرة الأجل في الحالات التي يسعى فيها الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز مرونة الطاقة بسرعة.

من الناحية العملية، ليست هذه الحزم الثلاث متنافية بالضرورة؛ إذ يمكن للاتحاد الأوروبي الجمع بينها، لكن من المهم عدم إغفال المرتكز الاستراتيجي. فإذا كان الهدف لا يقتصر على التنويع الفعلي لمصادر الإمداد، بل يشمل إنشاء حزام استقرار جنوبي، فيجب أن تصبح الطاقة «مبدأً منظِّماً» لشراكة أوسع، تقوم على فهم واضح لقيود البنية التحتية في أوروبا نفسها، والمخاطر السياسية الإقليمية في المغرب العربي، والمسار الطويل للانتقال الأخضر. وهذا الترابط — بين الموارد والاستثمار والمؤسسات والاستقرار — هو ما يمكن أن يحول المسار الجنوبي إلى مرتكز طويل الأجل بدلاً من استجابة ظرفية للأزمة التالية.


إن الآراء والأفكار والمواقف المعبر عنها في الأوراق المنشورة على هذا الموقع تخص المؤلفين وحدهم، ولا تعكس بالضرورة آراء مركز الحوار عبر الأطلسي أو لجانه أو منظماته التابعة. وتهدف هذه الأوراق إلى تحفيز الحوار والنقاش، ولا تمثل مواقف سياسية رسمية لمركز الحوار عبر الأطلسي أو لأي منظمات أخرى قد يكون المؤلفون مرتبطين بها.

تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.