Cover image for: Strategischer Rückzug? Einschätzung der Auswirkungen eines US-Abzugs aus der europäischen Sicherheitsarchitektur

تراجع استراتيجي؟ تقييم تداعيات انسحاب الولايات المتحدة من الأمن الأوروبي

Clock Icon 11 دقائق للقراءة
By Tymur Ivasiv
أكتوبر 30, 2025

المحتويات

2 MB

أبرز الاستنتاجات

  • يشير التحول التدريجي للأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى احتمال إعادة معايرة بدلاً من انسحاب كامل من الالتزامات العسكرية الأمريكية في أوروبا، بما يعيد تشكيل إطار الردع لدى حلف الناتو.
  • قد يكشف تقليص الوجود الأمريكي عن نقاط ضعف هيكلية في البنية الدفاعية لأوروبا، ولا سيما في النقل الجوي الاستراتيجي والاستطلاع والمراقبة والاستخبارات (ISR) والتزوّد بالوقود والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل — وهي قدرات لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على أصول الولايات المتحدة.
  • تنذر التصورات المتباينة للتهديد بين شرق أوروبا وغربها بـ تعميق الانقسامات داخل الحلف، مما يعقّد تقاسم الأعباء وتنسيق المشتريات مع الارتفاع غير المتكافئ للإنفاق الدفاعي بين الدول الأعضاء.
  • تبرز ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة بوصفها الجهات المحورية المؤهلة لسد فجوات القدرات، غير أن توازن قيادتها سيتوقف على مواءمة الأجندات الصناعية والعملياتية والسياسية تحت ضغط مالي مستمر.
  • ومن شأن تقليص البصمة الأمريكية أن يسرّع سعي أوروبا إلى الاستقلال الاستراتيجي لكنه سيختبر أيضاً قدرة القارة على الحفاظ على ردع موثوق في مواجهة روسيا من دون ركيزة عبر أطلسية وحيدة.
  • إن مدى بقاء إعادة تموضع واشنطن تعديلاً تكتيكياً أو تطورها إلى انسحاب استراتيجي حقيقي سيحدد تماسك التحالف عبر الأطلسي ومصداقيته في المستقبل.
Cover image for: Strategic Retreat? Assessing the Implications of a U.S. Withdrawal from European Security

أعاد توجيه الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ تشكيل نهج واشنطن تجاه أوروبا. ومع دخول المنافسة مع الصين مرحلةً أشد احتداماً، تزداد احتمالات إعادة معايرة تدريجية للوجود والالتزامات العسكرية الأمريكية في القارة الأوروبية. ويثير هذا التحول أسئلة لا عن مستقبل بنية الردع لدى حلف الناتو فحسب، بل عن قدرة أوروبا على تحمّل مسؤولية أكبر عن دفاعها. وفي هذا المشهد المتغير، يواجه الحلفاء الأوروبيون تحدياً مزدوجاً: التكيف مع إعادة توزيع محتملة للموارد الأمريكية، وتطوير الآليات الصناعية والعملياتية والسياسية اللازمة لصون الاستقرار الاستراتيجي في القارة.

في ظل هذه الخلفية، تستكشف الورقة تداعيات انسحاب جزئي محتمل للولايات المتحدة من أوروبا، وتقيّم عواقبه السياسية والعسكرية والاقتصادية، فضلاً عن آفاق تعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي والاستقلالية الأوروبية.

وضع الولايات المتحدة والتزاماتها في أوروبا

ينبغي النظر إلى الانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية لا بوصفه نتيجة لإعادة تخصيص الموارد فحسب، بل كذلك كوسيلة ضغط لتشجيع الدول الأوروبية على تعزيز قدراتها الدفاعية وزيادة قدرتها على ضمان الأمن الإقليمي.

حالياً، يوجد بين 75,000 و105,000 عنصر عسكري أمريكي متمركزين في القارة الأوروبية، يخدم معظمهم في القوات الجوية والبحرية. وإضافة إلى ذلك، لدى الولايات المتحدة أكثر من 40 منشأة عسكرية بمستويات مختلفة، وعدد كبير من المركبات المدرعة والطائرات وراجمات الصواريخ المتعددة ونحو 100 رأس نووي تكتيكي منتشر في أوروبا. واستناداً إلى تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) بأن النفقات الدفاعية الأمريكية المباشرة في أوروبا تمثل نحو 5 إلى 6 بالمئة من ميزانية الدفاع الوطني للولايات المتحدة، وباحتساب تلك النسبة على إجمالي ميزانية الدفاع الوطني للسنة المالية FY2025 البالغ نحو 900 مليار دولار، تبلغ التكاليف السنوية للولايات المتحدة المرتبطة بالأمن الأوروبي نحو 45 إلى 54 مليار دولار، بما في ذلك تمويل الأفراد والبنية التحتية والتدريبات والبرامج المشتركة. 

Cover image for: Strategic Retreat? Assessing the Implications of a U.S. Withdrawal from European Security

يعني «الانسحاب الجزئي» خفض عدد القوات والبنية التحتية والمعدات والأسلحة. غير أنه يستحيل في هذه المرحلة التنبؤ بحجم هذا الخفض ومعاييره المحددة. وفي ظل الإدارة الأمريكية الحالية، قد تتأثر القرارات المتعلقة بعدد القوات الأمريكية في أوروبا أحياناً بنهج الرئيس الشخصي ونصائح أقرب مستشاريه أكثر من تأثرها بتوصيات مؤسسات مثل مجلس الأمن القومي أو البنتاغون، كما يتضح من قرار يونيو 2025 بضرب المنشآت النووية الإيرانية من دون موافقة مسبقة من الكونغرس.

إن الانسحاب الكامل سيضعف بشدة نفوذ الولايات المتحدة على الدول الأوروبية ويحرم واشنطن من قواعد وبنى تحتية عسكرية ولوجستية مهمة، مثل قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا وقاعدة روتا البحرية في إسبانيا، اللتين تؤديان دوراً محورياً لا للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا فحسب بل على مستوى العالم أيضاً. 

فضلاً عن ذلك، فإن الانسحاب الكامل للقوات سيقوّض حتماً ثقة الحلفاء ويتسبب بأزمة عميقة في حلف الناتو، محدثاً فراغاً استراتيجياً قد تستغله روسيا لتوسيع نفوذها. لذلك، وعلى الرغم من الخطاب السياسي ورغبة إدارة ترامب في خفض الإنفاق، لا تستطيع الولايات المتحدة تحمّل التخلي الكامل عن وجودها العسكري في أوروبا.

في الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد مسار ثانٍ. إذ يمكن للكونغرس أن يصوغ استراتيجية منظمة عبر عملية التفويض والاعتمادات الدفاعية السنوية، يوجّه فيها وزارة الدفاع إلى إعادة موازنة وضع القوات نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع وضع سقوف للوجود الدائم في أوروبا، واستبدال بعض عمليات التناوب بمخزونات مسبقة التموضع، وربط التخفيضات بمكاسب الحلفاء في القدرات ومعايير الجاهزية. ومن المرجح أن تُدرّج هذه الخطة التغييرات على مدى دورات ميزانية متعددة، وأن تتطلب تقارير مفصلة من البنتاغون ومجلس الأمن القومي، وتحمي عوامل التمكين الرئيسية مثل النقل الجوي والتزوّد بالوقود وISR والدفاع الصاروخي، وتوسّع تقاسم التكاليف والمشتريات المشتركة مع الحلفاء الأوروبيين. 

عملياً، لا يزال في وسع الرئيس الأمر بتخفيض رمزي بنحو 10 بالمئة أو بخفض أعمق يصل إلى 50 بالمئة لأسباب سياسية. أما الكونغرس فيستطيع، على النقيض، تقنين تغييرات وضع القوات في القانون، وإدراج أي تقليص تدريجياً على مدى دورات ميزانية متعددة، وربطه بمحطات إنجاز قدرات الحلفاء، وحماية المادة 5 من معاهدة حلف الناتو، وتحويل القوات والتمويل إلى مسارح أعلى أولوية.

العواقب الاستراتيجية للانسحاب الجزئي

المحتويات

سيؤدي الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة من أوروبا حتماً إلى تحول في التوازن الاستراتيجي للقوى في القارة الأوراسية. وسيحمل هذا التحرك عواقب متباينة: إذ ستفقد بعض البلدان جانباً من قدراتها الاستراتيجية، فيما ستتاح لبلدان أخرى فرصة تعزيز مواقعها وتوسيع نفوذها.

سياسياً، يتمثل أحد أبرز العواقب المحتملة في تفكك حلف الناتو. فقد يكشف تراجع التزام الولايات المتحدة خطوط التصدع الخفية داخل الحلف، مؤدياً إلى تباين الآراء بين الأعضاء من شرق أوروبا وغربها بشأن التهديدات. وقد تطالب بلدان أوروبا الشرقية المهددة مباشرة بالعدوان الروسي بتحرك سريع وحاسم. في المقابل، قد تميل دول أوروبا الغربية إلى الحلول الدبلوماسية، ما يقوض تماسك حلف الناتو ويعقّد الاستجابات الجماعية. كما قد يضعف فراغ القوة الناشئ الردع الإقليمي، دافعاً روسيا إلى تصعيد التهديدات التقليدية والهجينة، بما فيها الهجمات السيبرانية وحملات التضليل والعمليات السرية لزعزعة استقرار الدول الهشة.

من المنظور العسكري، تبقى قدرة أوروبا على سد الفجوات التي يخلفها الانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية بفعالية غير مؤكدة، رغم المبادرات الأخيرة مثل خطة إعادة تسليح أوروبا/الجاهزية 2030 للمفوضية الأوروبية، التي تهدف إلى تعزيز التعاون في المشتريات الدفاعية والاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. ولا تزال الجيوش الأوروبية تعاني فجوات كبيرة في القدرات في مجالات رئيسية، مثل النقل الجوي الاستراتيجي والتزوّد بالوقود جواً والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR) وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل — وهي مجالات تعتمد تقليدياً على قدرات الولايات المتحدة.

Cover image for: Strategic Retreat? Assessing the Implications of a U.S. Withdrawal from European Security

تبدو إمكانات الصناعة الدفاعية الأوروبية لاستبدال القوات والقدرات الأمريكية واعدة، لكنها محدودة. فأوروبا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة تضم شركات كبرى مثل Rheinmetall وAirbus Defense وBAE Systems وLeonardo وDassault، قادرة على إنتاج أسلحة معقدة. ومع ذلك، لا تزال هناك عوائق كبيرة: سوق مجزأة تثبط الشراء عبر الحدود، وازدواجية في البرامج الوطنية، وقدرة محدودة على زيادة الإنتاج مع فترات انتظار طويلة للذخائر ومكونات الدفاع الجوي. ويظل تسريع المشتريات الدفاعية المشتركة ودمج الصناعة، وهما أمران لازمان لتلبية احتياجات أوروبا الأمنية بعد انسحاب القوات الأمريكية، تحدياً، على الرغم من تزايد الاعتراف بضرورتهما الاستراتيجية.

اقتصادياً، قد تستفيد صناعة الدفاع الأمريكية في البداية من زيادة المشتريات الأوروبية قصيرة الأجل الهادفة إلى معالجة قصور القدرات العسكرية، لكنها ستواجه على الأرجح خسائر في حصتها السوقية مع تطوير أوروبا بدائلها الخاصة؛ وسياسياً، قد يقوض انخفاض الانخراط في الشؤون الأوروبية النفوذ الدبلوماسي للولايات المتحدة حول العالم، ويضعف التحالفات ويؤثر سلباً في المصالح التجارية في منطقة ذات أهمية استراتيجية.

آفاق الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي

في حال انسحاب جزئي للولايات المتحدة من أوروبا، يبرز بطبيعة الحال السؤال التالي: من القادر، وإلى أي مدى، على ملء الفراغ الذي سينشأ إذا تحقق هذا السيناريو فعلاً؟ 

كما ذُكر سابقاً، لن تتعرض جميع البلدان لخسائر استراتيجية في حال تقليص الوجود الأمريكي. وتبدو ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا من أرجح المرشحين للاضطلاع بدور أساسي في التعويض الجزئي عن تراجع النفوذ الأمريكي، مستفيدةً من الوضع لتعزيز نفوذها وتوسيع قدراتها الاستراتيجية. وتمتلك ألمانيا الموارد المالية والطاقات البشرية والقدرات التكنولوجية اللازمة، والأهم من ذلك، الإرادة السياسية وأفقاً تخطيطياً طويل الأمد لتنفيذ برامج متعددة السنوات. وتعمل برلين ضمن أطر مالية ملزمة متوسطة الأجل، وتستخدم أموالاً مخصصة وعقود مشتريات متعددة السنوات، وتوائم بين الوزارات والصناعة بشأن خرائط طريق للقدرات تمتد حتى أوائل ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين

Cover image for: Strategic Retreat? Assessing the Implications of a U.S. Withdrawal from European Security
جنود ألمان يقفون أمام مركبة Boxer العسكرية، وهي نوع جديد من ناقلات الجنود المدرعة، في ثكنة يوليوس ليبر في برلين، على هامش زيارة رئيس وزراء بريطانيا إلى العاصمة الألمانية في 24 أبريل 2024. (تصوير HENRY NICHOLLS / POOL / AFP)

يتيح هذا الإعداد لألمانيا الالتزام الآن بمشروعات كبيرة ومتسلسلة، مثل منظومات متعددة الطبقات للدفاع الجوي و الدفاع الصاروخي، وزيادة مستدامة في إنتاج الذخائر، ودمج طائرات مقاتلة جديدة, وتجديد القوات البرية الثقيلة، و بنية تحتية للتمركز الأمامي

مع وصول قيادة جديدة برئاسة فريدريش ميرتس، غيّرت ألمانيا مسارها العسكري والسياسي بصورة كبيرة، معلنة عزمها أن تصبح إحدى ركائز حلف الناتو في القارة الأوروبية. وفي إطار هذه الاستراتيجية، تخطط برلين لزيادة ميزانيتها العسكرية من المستوى الحالي البالغ 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي (نحو €95 مليار) إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي (نحو €162 مليار) بحلول 2029، وهي أكبر زيادة في الإنفاق الدفاعي في تاريخ ألمانيا الحديثة.

ومن المنافسين الرئيسيين الآخرين على القيادة الإقليمية إلى جانب ألمانيا فرنسا، التي شغلت تاريخياً موقعاً قوياً في البنية الأمنية الأوروبية. وفي السنوات الأخيرة، أسهمت فرنسا باستمرار بنحو 10% من إجمالي ميزانية حلف الناتو، ما يجعلها أحد المساهمين الماليين والعسكريين الرئيسيين في الحلف.

يرتكز موقع فرنسا الفريد في أوروبا على ردعها النووي المستقل. فمع نحو 290 رأساً حربياً على الغواصات والطائرات القتالية، تحتفظ باريس بقدرة مضمونة على توجيه ضربة انتقامية، وتبعث بإشارة إلى إمكان توفير مظلة نووية محتملة ومحدودة للشركاء الأوروبيين، مع إبقاء السيطرة الوطنية الحصرية عليها. ويساعد ذلك على احتواء آثار أي تراجع في الضمانات الأمريكية. وعلى الرغم من أن هذه الترسانة أصغر من ترسانتي روسيا والولايات المتحدة، فإن التحديث المستمر يحافظ على مصداقيتها ويعزز دور فرنسا في نقاشات تقاسم الأعباء.

وتُعد المملكة المتحدة، التي تمتلك أقوى قوة بحرية في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة، أيضاً من أبرز المرشحين لدور قائد محتمل في البنية الأمنية الأوروبية. وقد أعلنت لندن رسمياً عزمها رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، وكذلك فعلت فرنسا، وهو ما من شأنه أن يعزز قدراتها العسكرية بدرجة كبيرة ويوسع حضورها في المناطق الاستراتيجية الرئيسية، بما في ذلك شمال الأطلسي وأقصى الشمال، وفجوة GIUK، وبحر البلطيق وبحر الشمال، والبحر المتوسط وشرقه، والبحر الأحمر والخليج العربي، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ الأوسع، ولا سيما المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي. ويظل وضع المملكة المتحدة كقوة نووية عاملاً لا يقل أهمية: إذ تمتلك البلاد نحو 225 رأساً حربياً نووياً.

أظهرت إيطاليا طموحاً، إذ تخطط لرفع الإنفاق الدفاعي من 1.49% من الناتج المحلي الإجمالي (≈€35 مليار) إلى 2% (€46.8 مليار) بحلول 2025، وصولاً إلى 5% (€117 مليار) بحلول 2035. لكن حتى مع هذه الأهداف، تظل القدرات العسكرية لإيطاليا وعمقها الصناعي ووزنها السياسي دون نظيراتها في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، ما يجعل إيطاليا مرشحاً أقل ترجيحاً لتكون ركيزة للبنية الأمنية الأوروبية في المدى القريب.

على الرغم من اتفاق الحلفاء على زيادة الإنفاق الدفاعي، فإن التقدم غير المتكافئ سيختبر تماسك الحلف بوصفه متغيراً بنيوياً في الأمن الجماعي. وقد تحقق دول الخطوط الأمامية الواقعة تحت ضغط روسي مباشر معيار 5% في وقت أبكر، فيما ستتأخر دول أخرى، بما يعكس تباين تصورات التهديد وقيود الموارد. ويمكن لهذا التباين أن يفاقم نزاعات تقاسم الأعباء، ويعقد تخطيط القوات والتمركز بوصفهما مشكلتي عمل جماعي، ويثير التنافس حول المشتريات والسياسة الصناعية — وهي ديناميات قد تتصاعد إلى صراع سياسي داخل الحلف.

إطار القيادة الأوروبية المحتمل

لا تستطيع أي دولة أوروبية بمفردها التعويض الكامل عن احتمال ضعف الوجود الأمريكي. وقد يكون السيناريو الأرجح هو إنشاء ائتلاف من الدول الأكثر اهتماماً بالحفاظ على الاستقرار والقدرات الدفاعية في المنطقة. وعملياً، يُرجح أن يضم هذا الائتلاف ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة كنواة، تكملها دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق المعرضة مباشرة للتهديدات الروسية. 

ستكون هذه الدول، لكونها الأكثر هشاشة ودافعية، أول من يطرح مبادرات أمنية ملموسة، ويتولى قيادة تطوير آليات جديدة للتعاون، ويمارس ضغطاً نشطاً من أجل المصالح الاستراتيجية لأوروبا داخل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. أما القسم الغربي من القارة، فعلى النقيض، فسيؤدي دوراً أكثر مساندة، مسهماً أساساً بالموارد المالية والدعم السياسي، لكن من دون الإلحاح نفسه أو الانخراط المباشر في التخطيط العملياتي. وسيخلق هذا التقسيم للأدوار توازناً تدفع فيه «الدول الثلاث الكبرى» ودول الخطوط الأمامية الأجندة، بينما يعززها الآخرون من الخلف، بما يضمن حفاظ أوروبا ككل على تماسكها في مواجهة تراجع الوجود الأمريكي.

سيقوم التعاون بين هذه الدول، على الأرجح، على مبادئ التوازن والرقابة المتبادلة، بما يمنع هيمنة قوة واحدة على القضايا الأمنية. وفي الوقت نفسه، ستضطلع «الدول الثلاث الكبرى» (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة) بأدوار استراتيجية قيادية، بالنظر إلى قدراتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.

غير أن هذا النهج ينطوي على عدد من المشكلات المحتملة. 

  • أولاً، ثمة خطر انقسامات داخلية ناجمة عن اختلاف تصورات التهديدات والمصالح وأولويات السياسة الخارجية.
  • ثانياً، تواجه البلدان الأوروبية ضرورة زيادة إنفاقها الدفاعي بدرجة كبيرة، ما يسبب توترات سياسية واجتماعية في ظل محدودية موارد الميزانية.
  • ثالثاً، قد يعقد غياب قائد واحد، مثل الولايات المتحدة، اتخاذ القرارات العملياتية في حالات الأزمات، بما يضعف الفاعلية الاستراتيجية الشاملة لأوروبا.
  • وأخيراً، قد يضعف أي تقليص محتمل للوجود العسكري الأمريكي عامل الردع في العلاقات مع روسيا، بما يزيد خطر زعزعة الاستقرار على الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

في هذا السياق، ستصبح أوكرانيا المساعد الرئيسي لـ«الدول الثلاث الكبرى»، إذ توفر خبرتها الفريدة في مقاومة روسيا معرفة عملية بالحرب الحديثة والقدرة على الصمود والتكيف، وهي معارف لا غنى عنها لتعزيز البنية الأمنية الأوروبية الأوسع. وبهذا المعنى، لا يقتصر دور أوكرانيا على كونها شريكاً رمزياً؛ بل تصبح معلماً عملياً تعزز معرفته المختبرة في ساحة المعركة مباشرة الصمود الجماعي لحلف الناتو والاستقرار الاستراتيجي لأوروبا بأسرها.

على المدى الطويل، ستتوقف قدرة أوروبا على التكيف مع تقليص محتمل للوجود الأمريكي لا على طموحات الدول الفردية فحسب، بل على القدرة المؤسسية لكل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي على مواءمة الأولويات والموارد. وبدلاً من الاعتماد على قائد مهيمن واحد، ستعتمد المرونة الاستراتيجية لأوروبا على تعاون شبكي — عبر المشتريات الدفاعية المشتركة وقابلية التشغيل البيني والاستثمار الجماعي في الابتكار التكنولوجي.

الخلاصة

بالنظر إلى جميع العوامل، يبدو الانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من أوروبا مرجحاً. فالأولوية تتحول إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ بسبب تنامي قوة الصين وخطر نشوب أزمة حول تايوان. وتقيّد الميزانية ونقص الأفراد والعبء الواقع على صناعة الدفاع الموارد المتاحة؛ وتتطلب هذه الصناعة عقوداً طويلة الأجل وتوسيعاً لقدراتها. وفي الوقت نفسه، لا تزال الولايات المتحدة تحتاج في أوروبا إلى الردع النووي الممتد والقدرات الفضائية والسيبرانية والإنذار المبكر وأمن الاتصالات البحرية؛ لذا يتعلق الأمر بمعايرة وجودها أكثر من التخلي عن التزاماتها تجاه الحلف.

السيناريو الأرجح هو خفض تدريجي للقوة الدائمة، مع زيادة عمليات التناوب والاعتماد على التموضع المسبق. وسينتقل العبء الأمني إلى «الدول الثلاث الكبرى». وستغطي المملكة المتحدة المكوّنين البحري وتحت المائي، وإسقاط القوة بواسطة مجموعات حاملات الطائرات، والحرب السيبرانية والإلكترونية، ودعم الأمن في البحر الأسود وشمال الأطلسي. وستوفر فرنسا الردع النووي المستقل والجاهزية للعمليات الاستكشافية وقدرات الضربات الجوية والدفاع الجوي متوسط المدى. أما ألمانيا فتتولى القوات البرية الثقيلة واللوجستيات والإصلاح والذخيرة، فضلاً عن نشر دفاع جوي وصاروخي متعدد الطبقات في أوروبا الوسطى. 

وتُسند إلى الحلفاء الباقين أدوار متخصصة في مكافحة الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي القريب وتدابير مكافحة الألغام والحرب المضادة للغواصات. وتشمل الفجوات الحاسمة التي يتعين على أوروبا سدها سريعاً النقل الجوي الاستراتيجي والتزوّد بالوقود جواً وISR والدفاع الجوي/الصاروخي المتكامل ومخزونات الذخيرة المستدامة وقدرات MRO. وستحتفظ الولايات المتحدة بإطار C4ISR والمظلة النووية واستعدادها للتعزيز السريع.

في نهاية المطاف، لا يزال سؤال سرعة التخفيضات وعمقها معلقاً. فمن الصعب التنبؤ بخطوات محددة: إذ سيتوقف الاختيار بين التخفيضات الرمزية والتقليصات الأكثر وضوحاً على التطورات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وسلوك روسيا واستعداد الأوروبيين لزيادة الإنفاق والقيود التي يفرضها الكونغرس والاتفاقات الأساسية وخطط حلف الناتو. ويشير منطق اللحظة إلى تطور لا إلى قطيعة حادة، مع تقليص الولايات المتحدة «بصمتها الثقيلة» مع احتفاظها بالوظائف الاستراتيجية، وترجمة أوروبا لطموحاتها إلى جاهزية قتالية قابلة للقياس.


إن الآراء والأفكار والمواقف المعبر عنها في الأوراق المنشورة على هذا الموقع تخص المؤلفين وحدهم، ولا تعكس بالضرورة آراء مركز الحوار عبر الأطلسي أو لجانه أو منظماته التابعة. وتهدف هذه الأوراق إلى تحفيز الحوار والنقاش، ولا تمثل مواقف سياسية رسمية لمركز الحوار عبر الأطلسي أو لأي منظمات أخرى قد يكون المؤلفون مرتبطين بها.

أُعد هذا المنشور بدعم من مؤسسة النهضة الدولية. ويتحمل المؤلفون وحدهم المسؤولية عن محتواه، ولا يعكس بالضرورة آراء مؤسسة النهضة الدولية.

تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.