

589 KB
منذ بداية الغزو الروسي في أواخر فبراير 2022، نوقشت على نطاق واسع احتمالات التفاوض والسلام بين روسيا وأوكرانيا. وكانت هذه الفكرة شائعة في وسائل الإعلام الغربية وفي الخطاب السياسي لدى دول عديدة. وعلى الرغم من اعتقاد معظم البلدان وكبار محلليها بأن أوكرانيا ستسقط خلال أيام قليلة، بدا التوصل إلى سلام بارد أو «مينسك-3» آخر أمراً مواتياً للغاية؛ إذ سيلبي احتياجات روسيا، ويضفي طابعاً رسمياً على دعم أوكرانيا، ويتيح للبلدان الغربية مواصلة «العمل كالمعتاد» مع موسكو، ويقلل أي تكاليف إضافية قد يتكبدها الغرب. وأظهرت العمليات الدفاعية والهجومية المضادة الناجحة التي نفذتها أوكرانيا، والصمود المذهل للأوكرانيين، أن أوكرانيا لا تستطيع فقط مقاومة العدوان الروسي، بل يمكنها أيضاً أن تجعل روسيا تدفع ثمناً باهظاً لحربها التي اختارتها. علاوة على ذلك، أكد سياسيون نافذون وخبراء عسكريون أن أوكرانيا قادرة على تحرير جميع الأراضي التي تحتلها روسيا، بما في ذلك المناطق المحتلة قبل الغزو الشامل وشبه جزيرة القرم، وهو ما لا يتطابق تماماً مع قناعات بعض قادة العالم وباحثي العلاقات الدولية والمحللين.

ثمة تعارض كبير في المصالح بين الطرفين المتحاربين. وقد اتضح ذلك خلال المحاولات الأولى لإجراء محادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا، التي جرت في بيلاروس ثم انتقلت إلى تركيا. ولم تُسفر جولات عدة من المفاوضات عن النتائج الملموسة الكبرى التي كان الغرب يأملها. وادعى كثيرون أن الحكومة الروسية لم تكن مهتمة إطلاقاً بحل دبلوماسي، إذ صاغت أهدافها على أنها «نزع السلاح» و«اجتثاث النازية» من أوكرانيا. وفي المقابل، أبدت أوكرانيا مرونة أكبر من روسيا، حين كانت كييف مستعدة لبعض التنازلات بشأن وضعها المحايد، وقضايا اللغة الروسية، والعودة إلى الوضع القائم قبل 24 فبراير. وحتى اليوم، يبدو أن الهدفين الغامضين المذكورين آنفاً ما زالا مهمين للمؤسسة السياسية الروسية. ويشير ذلك إلى أن روسيا لا تزال مصممة على غزو أوكرانيا بكل الوسائل: قتل كل من يعارضها وتدمير أوكرانيا وهويتها الوطنية. ولذلك، لا ترغب أوكرانيا في توقيع اتفاق «مينسك-3» آخر لا يمنح أي ضمانات أمنية ولا استعادة كاملة للسيادة والسلامة الإقليمية ضمن حدود عام 1991.
نظراً إلى أن أوكرانيا حررت أجزاءً من الأراضي التي احتلتها روسيا وعثرت على أدلة كثيرة على جرائم حربها، فمن غير المرجح أن تتمكن أوكرانيا من التفاوض على سلام عادل مع روسيا. علاوة على ذلك، لا يؤيد أحد في أوكرانيا أي تبادل للأراضي لإنهاء النزاع الذي تسبب في مآسٍ لا حصر لها في المجتمع الأوكراني. ووفقاً لاستطلاع أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع في ديسمبر، 85% من المستجيبين في جميع أنحاء البلاد يعتقدون أنه حتى لو طال أمد الحرب وتهدد استقلال أوكرانيا، لا ينبغي لأوكرانيا التخلي عن أي من أراضيها تحت أي ظرف. المصالح الحيوية للطرفين متعارضة تعارضاً تاماً، ما يجعل التسوية الدبلوماسية شبه مستحيلة. ومع ذلك، برزت من المفاوضات بعض النتائج الإيجابية، مثل إطلاق سراح بعض أسرى الحرب ورفع الحصار عن موانئ أوكرانيا على البحر الأسود لاستئناف صادرات الحبوب لمعالجة أزمة الغذاء التي تسبب بها الغزو. لكن ذلك لم يكن ممكناً، مرة أخرى، إلا لأن لروسيا مصلحة فيه. فعلى سبيل المثال، ادعت روسيا أنها تواجه مشكلات في تصدير المنتجات الزراعية والأسمدة المعدنية بسبب العقوبات. وتستخدم موسكو أي مبادرة دبلوماسية لإجراء مقايضات بهدف رفع بعض العقوبات التي تضر بالاقتصاد الروسي. ويشير محللون أوكرانيون أحياناً إلى هذا بوصفه «استراتيجية التنازلات الصغيرة» تستخدمها روسيا للحفاظ على العلاقات مع الغرب وانتزاع تنازلات منه كي تعلن النصر أمام جمهورها الداخلي. وبعبارة أخرى، تستطيع روسيا أن تقول إنها ما تزال قوة عظمى وأن على القوى الكبرى الأخرى أخذ موقف روسيا في الحسبان.
بعد اندلاع الحرب الشاملة، صدرت دعوات إلى التفاوض بين روسيا وأوكرانيا من جهات مختلفة. ولعل عبارة «أعطوا الدبلوماسية فرصة» هي الأكثر استخداماً، بما يوحي بأن جميع النزاعات تُحل بالوسائل الدبلوماسية. ربما. لكن هذا ليس حال هذه الحرب. وأحياناً صيغت هذه الدعوات على نحو يطالب الغرب بممارسة الضغط على أوكرانيا ودفعها إلى التفاوض مع روسيا. كما صدرت مقترحات كهذه عن القيادة العسكرية للولايات المتحدة أو أعضاء في إدارة جو بايدن، وتعرضت لانتقادات واسعة. فعلى سبيل المثال، اقترح الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة وأرفع ضابط عسكري في الولايات المتحدة، خلال عدة منتديات، أن العمليات الناجحة التي نفذتها أوكرانيا على الأرض أوجدت «فرصة سانحة» للدخول في مفاوضات مع روسيا من موقع قوة. وأشار أيضاً إلى أنه بالكاد يستطيع تصور هزيمة أوكرانيا لروسيا خلال فصل الشتاء. وثمة وهم آخر تكرره الصحافة والسياسيون على نطاق واسع، وهو أن الشتاء يصعّب تنفيذ العمليات العسكرية وهزيمة العدو. فعلى سبيل المثال، لم تخض الولايات المتحدة حملة شتوية منذ الحرب الكورية، في حين اكتسبت أوكرانيا خبرة في القتال الشتوي منذ الغزو الروسي عام 2014. وقد يتدهور الأداء العسكري أو يتحسن تبعاً لأحوال الطقس. ولذلك، لا ينبغي استخدام أحوال الطقس وسيلةً لـ الضغط على أوكرانيا للدخول في مفاوضات. ومجرد تأييد ميلي للمفاوضات أمر يثير الاستغراب. فبصفته عضواً في الجيش الأمريكي، ينبغي أن يكون على دراية بذلك وأن يفهم النوايا الحقيقية لروسيا في هذه الحرب، إذ يتلقى كل المعلومات الاستخباراتية اللازمة.

توضح فضيحة جديدة تتعلق بإيلون ماسك مرة أخرى حجم سوء الفهم وسوء الإدراك لروسيا في الغرب. فقد اقترح ماسك شروطاً غير مقبولة لتسوية النزاع: إعادة الانتخابات في أراضي منطقتي لوهانسك ودونيتسك المحتلة قبل 24 فبراير، والاعتراف بأن القرم جزء من روسيا، وضمان إمدادات المياه إلى شبه الجزيرة، وجعل أوكرانيا محايدة. وبدا ذلك للأوكرانيين اقتراحاً لاستئناف سياسة الاسترضاء التي لن تنهي الحرب، بل ستشجع المعتدي على ضم مزيد من الأراضي. كما تُظهر تغريدات إيلون ماسك أن الغرب لا يزال واقعاً تحت تأثير الدعاية الروسية. وقد يبدو أن ماسك لا علاقة له بالسياسة الدولية، لكن موقفه أصبح ذروة لما ناقشه كثير من المحللين السياسيين منذ بداية الغزو. ويجمع هذا الموقف أولئك المتأثرين بالإرث الروسي الذي يصوّرها قوة نووية عظمى ينبغي مراعاة مصالحها أولاً في عملية صنع القرار. كما يبرز أن كثيرين في الغرب يميلون إلى نسيان الدروس التاريخية التي كان ينبغي للعالم أن يتعلمها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وليس من المستغرب إطلاقاً أن البلد الوحيد الذي دعم علناً «خطة السلام» التي طرحها ماسك كان روسيا ودعائييها. علاوة على ذلك، حث البابا فرنسيس الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على خوض مفاوضات جدية مع روسيا، وعلى أن «يبذل جميع الفاعلين في الحياة الدولية والقادة السياسيين كل ما في وسعهم لإنهاء هذا النزاع»، للحيلولة دون «تصعيد خطير». ويُظهر هذا مرة أخرى ضعف فهم النزاع والوضع على الأرض. ولذلك، لا تصب هذه الدعوات إلا في مصلحة روسيا وتخلق تصوراً زائفاً عن أوكرانيا بأنها «لا تريد السلام وترفض أي اقتراح من هذا النوع».
في 24 أكتوبر، بعثت مجموعة من الديمقراطيين التقدميين رسالة إلى جو بايدن تطلب منه البحث العاجل عن إمكانات إرساء وقف لإطلاق النار في أوكرانيا. كما طلبوا منه بدء مفاوضات مع روسيا. واستند ذلك إلى مخاوف من هجوم نووي روسي واندلاع حرب عالمية ثالثة. وبعد تعرضها لانتقادات شديدة، سُحبت الرسالة في اليوم التالي. وقد أُرسلت بعد أسابيع من بدء روسيا قصف البنية التحتية للطاقة والبنية التحتية الحيوية في أوكرانيا، ما تسبب في أزمة إنسانية وخيمة. وأرسلت مناشدة أعضاء الكونغرس هؤلاء إشارة مقلقة، إذ شككت في جهود الدعم التي قدمتها الولايات المتحدة وحلفاء آخرون بالفعل لأوكرانيا، وسلطت الضوء على تهديد آخر: احتمال تدخل روسيا في السياسة الداخلية للولايات المتحدة. فقد تستخدم روسيا، مثلاً، شخصيات سياسية مؤثرة متعددة داخل الولايات المتحدة لدفع أجندة «الحل الدبلوماسي» الذي لا يفيد إلا روسيا. وهناك احتمال أن يحاول الاتحاد الروسي استغلال ذلك لزيادة زعزعة استقرار الولايات المتحدة عبر زرع الشقاق والتوتر بين الأحزاب السياسية. وبهذه الطريقة ستحصل روسيا على الولايات المتحدة منقسمة تواجه صعوبات في الاتفاق على المساعدة العسكرية وغيرها من أشكال العون لأوكرانيا. ومن خلال الترويج لأجندة المحادثات، ستحقق روسيا نزاعاً مجمداً وتكسب وقتاً لإعادة تجميع قواتها والاستعداد لغزو جديد.
يبدو أن الدعوات الكثيرة للتفاوض مع موسكو، والمقالات في المجلات والصحف، والتحليلات التي تقدمها الأوساط الغربية الخبيرة والعلمية، تبرز مشكلة كبرى أخرى: لا يزال كثيرون في الغرب ينظرون إلى أوكرانيا من خلال عدسة روسيا. وهي بالفعل قضية ملحّة لأنها تحد من نطاق البحث، فتؤدي إلى تصورات خاطئة عن البلدين. وتتجلى هذه المشكلة خصوصاً في مؤسسات البحث الغربية، حيث يعتقد خبراء روسيا وأوراسيا أنهم على دراية تامة بأوكرانيا لمجرد أنهم درسوا روسيا أو عاشوا فيها. والحقيقة أن باحثين كثيرين ينظرون إلى أوكرانيا من منظور روسيا، بوصفها قوة كبرى في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي، ومصالحها تعلو مصالح جميع البلدان المجاورة الأخرى. وهذا يخدم فعلياً رؤية روسيا للسيادة، التي تعود إلى التفسير المطلقاني في القرن التاسع عشر. وهي، تحديداً، تعتبر استخدام القوة ضد الجيران وسيلةً حيويةً تتناسب مع مكانة القوة العظمى. علاوة على ذلك، لا يزال كثيرون في الأوساط الأكاديمية يعتقدون أن أوكرانيا تنتمي إلى «الأراضي الحدودية» لروسيا أو إلى «مجال المصالح المميزة» كما أعلن دميتري ميدفيديف ذات مرة، وهي فكرة مستمدة من منافسة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. إن الإقرار بذلك مع تجاهل أوكرانيا في الوقت نفسه أمةً ذات سيادة، وتحليل أوكرانيا على أنها مرتبطة بروسيا ارتباطاً لا فكاك منه، يقوض إمكانية فهم دوافع الكرملين.
وفي هذا الصدد، يجدر اقتباس أندرياس أوملاند، عالم السياسة والمحلل في مركز ستوكهولم لدراسات أوروبا الشرقية (SCEEUS) التابع للمعهد السويدي للشؤون الدولية، الذي قال إن القيادة الروسية تنخرط في العدوان بعد أن تعرف أنه سيفضي إلى نصر. فلم تُشبع انتصارات روسيا في مولدوفا والشيشان وجورجيا وأوكرانيا (عام 2014) شهيتها. وعلى خلاف الاعتقاد السائد، كانت روسيا تستعد لعمليات عسكرية أخرى. ولذلك، من الخطر إساءة فهم النوايا الروسية، إذ إن أي مكسب أو نصر محتمل سيؤدي إلى موجة عدوان أخرى إلى أن تُوقَف روسيا.
من دون مبالغة، لا يمكن وقف روسيا إلا بالقوة، لا بالمساومات الدبلوماسية كما يميل كثيرون إلى الاعتقاد. وبدلاً من البحث عن حجج مضادة لعدم وجوب انتصار أوكرانيا، أو عدم وجوب هزيمة روسيا، أو ضرورة حفظ ماء وجه بوتين، ينبغي للغرب أن يقوم بعمل منهجي يبيّن لماذا يُعد انتصار أوكرانيا مهماً ليس لأوكرانيا وحدها، بل للعالم كله. وسيتطلب هذا العمل قدراً كبيراً من مراجعة سلوك روسيا في النزاعات المختلفة. ولا يمكن التقليل من دور التاريخ في الواقع الراهن، إذ إن السلوك الروسي تحدده إلى حد كبير السوابق التاريخية. وكلما أظهر الغرب ضعفاً تجاه روسيا، لا تتردد موسكو في استخدام أي وسيلة، بما فيها الوسائل العسكرية. وفي إطار هذا النقاش، اقترح وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا أن على الغرب «أن يستعد لهزيمة روسيا من الآن على نحو أفضل، بدلاً من محاولة تفسير لماذا لا تستطيع أوكرانيا أو لا ينبغي لها أن تنتصر».
عند تناول سلوك روسيا خلال نزاعات مختلفة، يمكن تتبع نمط أو استراتيجية مشتركة تلتزم بها روسيا. فقد شاركت في أعمال عسكرية وعمليات تفاوض عديدة في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي وخارجه. وأقترح التركيز على مثالين: اتفاقات خاسافيورت الموقعة نتيجة الحرب الشيشانية الأولى، ومفاوضات مينسك أثناء غزو روسيا لأوكرانيا في 2014-2015. وتُظهر نهاية الحرب الشيشانية الأولى أنه حتى إن تمكنت من التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع روسيا، فإن موسكو لن تلتزم به إلا إذا كان يتوافق مع مصالحها الخاصة. وتحاول روسيا، كما يتضح في حالة الشيشان، التوصل إلى اتفاق يمكن تفسيره بطرائق شتى عبر استخدام لغة غامضة. وخلال الحملة الشيشانية الأولى، كانت روسيا تأمل في قمع الحزب السياسي لجوهار دوداييف الذي سعى إلى استقلال الشيشان. ولما فشلت المحاولات الروسية السابقة لإزاحة دوداييف، بدأت موسكو في وضع خطط لتدخل عسكري كان من المفترض أن يُنفذ بأسلوب حرب خاطفة. لكن الحملة استمرت قرابة عامين رغم الآمال الروسية في حصار سريع، لأن الروس لم يجدوا طريقة لمحاربة تكتيكات حرب العصابات التي اتبعها الشيشان. وحتى مع تفوق روسيا في القوى البشرية والتسليح والسيادة الجوية، تكبد الجيش الروسي خسائر فادحة أثارت أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية داخل البلاد. وكانت الخسائر كبيرة أيضاً بين المدنيين؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الشيشان فقدوا نحو 100,000 مدني، معظمهم أثناء هجوم روسيا على غروزني عاصمة الشيشان. وكانت القوات الروسية المحبطة ومعارضة السكان الروس لنزاع طويل الأمد هما ما دفعا روسيا والرئيس يلتسين إلى السعي إلى المفاوضات.

اكتشفت روسيا في الحملة الشيشانية الأولى أن جيشها لم يكن مستعداً لقتال الشيشان. وكشفت الحرب مواطن ضعف الجيش الروسي، ولم ينكر أحد في الكرملين وجوب إصلاحه. ووقع ممثلو روسيا والشيشان اتفاق خاسافيورت عام 1996. وبموجب الاتفاق، كان ينبغي حل النزاع بين روسيا والشيشان بالوسائل السياسية. وحُدد موعد نهائي لسحب القوات الفدرالية من الشيشان. وكان على روسيا أيضاً تقديم المساعدة لإعادة بناء الهيكل الاجتماعي والاقتصادي للجمهورية. غير أن الخبراء يلاحظون أن الاتفاق لم يوضح كيف يعتزم الطرفان معالجة السبب الجذري للنزاع، أي تطلعات الشيشان إلى الاستقلال. ويدعي مراقبون أن صياغة الاتفاق نفسها كانت غامضة، ما أتاح لروسيا هامشاً للمناورة مستقبلاً. وذكر آخرون أن روسيا اعترفت بالجمهورية الشيشانية المستقلة بتوقيعها اتفاق خاسافيورت. لكن خبراء القانون الدولي يجادلون بأن الإشارة في الوثيقة إلى تصرف الأطراف وفق القانون الدولي لا تعني الاعتراف بالاستقلال. ومن المهم أيضاً ذكر أن نتيجة الحرب الشيشانية الأولى قسمت المجتمع الروسي والجيش. فعلى سبيل المثال، قال بعض الجنرالات الروس إن «نصرهم سُرق» منهم ولم تُتح لهم فرصة أخيرة لهزيمة مقاتلي حرب العصابات. ووصف القوميون المتطرفون الروس اتفاق خاسافيورت بأنه «استسلامي» و«خائن» لروسيا. ومهّد ذلك بدوره الطريق أمام المشاعر الانتقامية داخل المجتمع الروسي وبين النخب السياسية الروسية، التي طالبت بالنصر، وهو ما تقوم عليه شرعيتها.

لذلك، يُعد اتفاق خاسافيورت مثالاً واضحاً على كيفية استمرار روسيا في السعي إلى تحقيق أهدافها بعد خسارتها. وتحاول موسكو تحقيق النصر بتصحيح أخطائها السابقة، ووضع خطط أفضل للعمليات العسكرية، وإعادة تنظيم قواتها العسكرية. كما غيرت روسيا استراتيجية تواصلها وأعطت الأولوية لحرب المعلومات. وفعلياً، وصف الداعيون الروس الحرب الشيشانية الثانية بأنها حرب مختلفة، مؤكدين «الطبيعة الإرهابية للتهديد الشيشاني». واستمروا في ذكر تفجيرات المباني السكنية في موسكو ومدن أخرى، التي يزعم باحثون كثيرون أنها من عمل FSB (جهاز الأمن الفدرالي للاتحاد الروسي) لتبرير حرب جديدة. وتغير رأي المجتمع الروسي بشأن الحرب الشيشانية تدريجياً. فقد قال 65% من المستجيبين في استطلاع للرأي العام إنهم يؤيدون إبقاء الشيشان ضمن روسيا بكل الوسائل، بما فيها الوسائل العسكرية. وبالاستناد إلى حالة الحرب الشيشانية الأولى وربطها بالأحداث الجارية، يمكن العثور على تعليقات مثيرة للاهتمام للداعي الروسي زاخار بريليبين. ففي جدال مع أولغا سكابيفا، وهي داعية روسية بارزة أخرى، قال إن روسيا لن تحقق أهدافها بقصف البنية التحتية الأوكرانية. بل يتعين على موسكو التفاوض مع فولوديمير زيلينسكي. وذهب بريليبين أبعد من ذلك وقال علناً إن على روسيا إكراه أوكرانيا على التفاوض مع روسيا. ويرجع ذلك إلى أن موسكو ستكون منشغلة بإعادة تجميع قواتها، وفي النهاية ستكون مستعدة لإنهاء الحرب بهجوم عسكري على أي حال. وعلاوة على ذلك، ذكر من دون أي تردد أن روسيا تحتاج إلى «خاسافيورت جديد»، وهو، بطبيعة الحال، سيكون عاراً على روسيا، لكنه لن يكون بالنسبة إلى موسكو إلا مؤقتاً. ولا يمكن تفسير النوايا الحقيقية لروسيا بأخذ كلام دعايتها على محمل الجد. ومع ذلك، وبالنظر إلى أن برامج الدعاية التلفزيونية الروسية غالباً ما تكون مُفبركة، يمكن الافتراض منطقياً أن الكرملين أمر بها لإيصال رسالة مفادها أن روسيا تحتاج إلى مفاوضات.

من الضروري تتبع نتيجة مفاوضات مينسك؛ ففي 2014-2015 اضطرت أوكرانيا إلى التفاوض مع روسيا في ضوء الإخفاقات في ساحة المعركة. وفي الواقع، تفاوضت أوكرانيا مع روسيا تحت ضغط لم يأتِ من الكرملين فحسب، بل من شركاء أوكرانيا أيضاً، ألمانيا وفرنسا، اللتين عملتا وسيطتين أثناء النزاع. وفي المحاولة الأولى لإحلال السلام، وضعت مجموعة الاتصال الثلاثية، المؤلفة من ممثلين عن أوكرانيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) وروسيا، بروتوكول مينسك. وكان ممثلو ما يسمى «DPR» و«LPR» من الموقعين أيضاً. ولم يسفر البروتوكول عن أي نتائج لأن المرتزقة الذين تقودهم روسيا استمروا في خرق اتفاق وقف إطلاق النار وشنوا عملية هجومية على مطار دونيتسك. وعلاوة على ذلك، حوصرت القوات الأوكرانية في معركة إيلوفايسك قبل بضعة أيام من توقيع البروتوكول، التي أصبحت أحد أكثر الفصول مأساوية في تاريخ الغزو الروسي. وقبل ذلك، حررت القوات الأوكرانية بلدة تلو أخرى. لكن القوات النظامية للجيش الروسي عبرت الحدود في 23 و24 أغسطس، ما غيّر الميزان وخلق ظروفاً غير مواتية للقوات الأوكرانية على الأرض. وبما أن القوات الأوكرانية كانت محاصرة، اقترح الجانب الروسي فتح ممر إنساني، ثم قصفه الجيش الروسي بلا رحمة. وتتفاوت تقديرات الخسائر، غير أنه وفقاً للتحقيق الأولي، فقدت أوكرانيا 366 جندياً قتيلاً و429 جندياً جريحاً، وأُسر 128 وفُقد 158. وتبين واقعة إيلوفايسك وحدها ما تعنيه ضمانات روسيا حقاً في الممارسة العملية.

رغم وقف إطلاق النار المتفق عليه في بروتوكول مينسك، واصل الروس القصف والتقدم داخل الأراضي الأوكرانية. وتمكنوا من الاستيلاء على مطار دونيتسك بعد أن دافعت عنه القوات الأوكرانية 242 يوماً. وبحلول نهاية يناير 2015، انهار بروتوكول مينسك تماماً لأن روسيا لم تأخذه على محمل الجد. وأدت معركة أخرى للسيطرة على مدينة ديبالتسيفي ذات الأهمية الاستراتيجية إلى الحاجة إلى جولة جديدة من المفاوضات. وتقع هذه المدينة عند تقاطع طريق سريع وخط للسكك الحديدية. وعلى الرغم من أن أوكرانيا وروسيا وألمانيا وفرنسا أجرت محادثات في 12 فبراير ووقعت اتفاقاً، واصلت القوات الروسية قصف ديبالتسيفي وشن هجوم عليها. وأسفر ذلك عن خسائر جسيمة في صفوف الجنود الأوكرانيين. وبدا أن روسيا تعمدت تأخير توقيع الوثيقة لزيادة قوتها التفاوضية وتحقيق نتائج أفضل، ببساطة من خلال الاستيلاء على مزيد من الأراضي. ولذلك، تأثرت الصيغة النهائية لاتفاقات مينسك بدرجة كبيرة بالقتال على الأرض. وهكذا كان مينسك-2 نتيجة خلاف مطلق بين روسيا وأوكرانيا. وكان تسلسل الإجراءات لتنفيذ الاتفاق إحدى العقبات الكبرى. وطالبت أوكرانيا بالأمن قبل الانتقال إلى تنفيذ الجزء السياسي من الاتفاق.
في الواقع، كانت أحكام اتفاقيات مينسك ستؤدي إلى فقدان السيادة الأوكرانية عبر الفدرلة. وكان من شأن ذلك أن يجعل منطقتي دونيتسك ولوهانسك المعاد دمجهما عائقًا أمام انتهاج سياسة خارجية مستقلة حقًا. وكان سيكون لهما حق النقض على أي محاولات للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ويمكن للمرء أن يجادل بأن أوكرانيا استفادت من الاتفاق، إذ أتاح لها وقف القتال الكبير ومنحها وقتًا لإعادة بناء جيشها واقتصادها. لكن روسيا حققت فائدة أيضًا — إذ أتيحت لها فرصة لتصعيد الوضع داخل أوكرانيا متى أرادت دفع أجندتها الخاصة من دون اكتراث كبير بسمعتها. ولهذا كان وقف إطلاق النار يُنتهك عادةً — فلم تسحب روسيا الأسلحة الثقيلة وأنظمة المدفعية وفقًا للاتفاق. وكثيرًا ما أشارت تقارير منظمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE إلى انتهاكات لوقف إطلاق النار مئات المرات أو حتى آلافها يوميًا. وأرى أيضًا أن روسيا استخدمت مفاوضات مينسك أساسًا للتخطيط لغزو شامل واختبار رد فعل الغرب الجماعي. ونتيجة لذلك، صُممت اتفاقية مينسك، في جوهرها، بطريقة لا تمكنها من حل النزاع.
بوجه عام، أذلت اتفاقات مينسك أوكرانيا ولم تفعل سوى جلب مزيد من الخسائر. وذكرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) في أحد تقاريرها أن العدد الإجمالي التقديري للخسائر في أوكرانيا بين أبريل 2014 وديسمبر 2021 تراوح بين 51 000 و54 000. وقُتل نحو 14 000 إلى 15 000 شخص في هذه الحرب وأصيب الباقون. علاوة على ذلك، ادعت روسيا أنها ليست طرفاً في النزاع، ما أعاق أكثر تنفيذ أي اتفاق عملياً. وبعد أن أصبح فولوديمير زيلينسكي رئيساً لأوكرانيا، توقعت موسكو أن تقبل أوكرانيا بكل الشروط التي قد تفرضها للتسوية السلمية للنزاع. وجعلت خلفية زيلينسكي وقلة خبرته في السياسة الكرملين يعتقد أن الموقف المرن للرئيس الأوكراني المنتخب حديثاً سيخدم موسكو. غير أن المطالب الروسية لم يكن ممكناً تلبيتها، لأن ذلك كان سيعني فقدان أوكرانيا سيادتها، وهو أمر غير مقبول. ومن ثم، اتضح بعد محادثات نورماندي الرباعية رفيعة المستوى عام 2019 أن آمال روسيا في إكراه زيلينسكي على قبول المطالب الروسية قد فشلت. وثمة مشكلة لا تزال موسكو لا تدركها في تقييمها لأوكرانيا: فمهما يكن رئيس أوكرانيا، لن يقبل أبداً بالشروط الروسية بسبب موقف مجتمع مدني نابض بالحياة. وقضية التفاوض مع روسيا شديدة الحساسية لدى الشعب الأوكراني. وأي محاولات للتفاوض مع روسيا ستواجه مقاومة قوية من المجتمع وتنتهي بانهيار الحكومة. بل إن الرئيس زيلينسكي نفسه تعرض كثيراً للانتقاد بسبب موقفه غير المتسق من روسيا بعد انتخابه. فقد كان يعتقد في ذلك الوقت أن من الممكن التفاوض على سلام عادل مع الكرملين.
بالنظر إلى خطط روسيا تجاه أوكرانيا، يتضح تماماً أن موسكو لم تكن مهتمة بتسوية سلمية، بالنظر إلى أن المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية في إقليمي دونيتسك ولوهانسك مُنحت جوازات سفر روسية. وادعت مصادر روسية رسمية نفسها أنها أصدرت أكثر من 720 000 جواز سفر لسكان ما يسمى «DPR» و«LPR»، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي ولسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها. وتقع التفسيرات المختلفة للسيادة لدى أوكرانيا وروسيا في صلب أي محادثات سلام محتملة بينهما. ولذلك، من غير المرجح التوصل إلى اتفاق سلام عادل ما لم تغير موسكو موقفها الذي ظل على حاله منذ 2014-2015.
إن محاولة التفاوض على السلام مع روسيا آنذاك والآن خطأ جسيم من جانب الشركاء الأوكرانيين في الخارج. ولذلك، ينبغي أن يكون إرث ألمانيا وفرنسا مثالاً للجميع في الغرب. فالضغط على أوكرانيا للتفاوض مع روسيا، كما حدث في ظل قيادة أنغيلا ميركل وفرانسوا هولاند، لن يخدم إلا المصالح الروسية.
تقدم الحالتان المذكورتان أعلاه فهماً مفاده أن روسيا تستخدم المفاوضات لإخفاء نواياها الحقيقية. وتوضح حالة الحرب الشيشانية واتفاقات خاسافيورت أنه حتى إن توصلت إلى أي اتفاق مع روسيا، فإن موسكو ستلتزم به ما دام مفيداً لها. وعلى الرغم من أزمة سياسية واقتصادية خطيرة، لا ينسى السكان الروس الخسائر السابقة وسيواصلون، بتأثير من الدعاية الروسية، مطالبة قادتهم بالانتصارات. وقد تقود المشاعر التحريفية المتنامية إلى محاولة جديدة لكسب حرب.
وبنتيجة مفاوضات مينسك، يمكن ملاحظة موقف روسيا من أوكرانيا. فنرى أن اتفاق مينسك كشف في الحقيقة نقاط الخلاف بين البلدين. ولم يحقق أي نجاح لأن روسيا لم تبدِ أي مرونة أو استعداد للتسوية. بل استخدمت موسكو الاتفاق للضغط على أوكرانيا، وخلق التوترات وزرع الشقاق داخل البلد، وتقسيم الناس وتمهيد الطريق لغزو شامل. والسبب الجذري لاستحالة التفاوض على سلام عادل مع موسكو هو أن روسيا لا تعترف بأوكرانيا أمةً ذات سيادة. علاوة على ذلك، صرح كيريلو بودانوف، رئيس الاستخبارات الأوكرانية، بأن 82% من الروس يؤيدون الأعمال العدائية في أوكرانيا. وهذا عامل حاسم ينبغي أخذه في الحسبان، إذ يعتقد كثيرون في الغرب أن هذه حرب بوتين وحده. لكن علينا أن نعترف بأن أوكرانيا لا تحارب النظام الروسي فحسب، بل الشعب الروسي أيضاً.
لذلك، بدلاً من السعي إلى مفاوضات لن تمنح روسيا إلا فرصة لإعادة تجميع قواتها، من الحيوي مواصلة دعم أوكرانيا بتزويدها بالمعدات العسكرية اللازمة. وخلال الشتاء، تتمثل خطوة حاسمة أخرى في تعزيز صمود البنية التحتية للطاقة والبنية التحتية الحيوية في أوكرانيا. المفاوضات مع موسكو الآن ليست سوى تأجيل لحرب أخرى. يجب الإقرار بأن المحاولات السابقة لاسترضاء روسيا لم تنجح ولم تزد إلا الشهية الروسية. إن مطالبة أوكرانيا بالتفاوض الآن تشبه مطالبة ونستون تشرشل بالتفاوض مع أدولف هتلر أثناء معركة بريطانيا. وترسل التعبئة في روسيا إشارة إلى أن موسكو لا تنوي التخلي عن فكرة غزو أوكرانيا كلها. وببدء غزو شامل، دخل فلاديمير بوتين وروسيا لعبة محصلتها صفر. وبعد تكبد عدة خسائر كبرى، لم تغير روسيا موقفها. وعلى العكس من ذلك، يرغب الكرملين في إطالة أمد الحرب لاستعادة زمام المبادرة على خلفية قصف البنية التحتية الحيوية وتسليح فصل الشتاء. وعلاوة على ذلك، تحاول موسكو أن تفعل كل ما بوسعها لتأخير إمدادات المساعدة العسكرية الغربية إلى أوكرانيا، وتسعى إلى تعبئة مزيد من الأشخاص للقتال في أوكرانيا. وقد أصبحت تكلفة مواصلة الحرب منخفضة نسبياً، إذ إن احتمال الفوز يفوق أي خسائر محتملة للطرفين. وبالنسبة إلى أوكرانيا، فهي فرصة لاستعادة جميع الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها. وقد تأمل روسيا في تحقيق بعض الانتصارات لجمهورها الداخلي وإظهار قدرتها المستمرة على القتال للغرب. والأكثر من ذلك، أن مواصلة الحرب بالنسبة إلى بوتين مسألة حياة أو موت، سياسياً وجسدياً. ولذلك، ليست مسألة المفاوضات مطروحة الآن.
علاوة على ذلك، ينبغي لشركاء أوكرانيا أن يكونوا مستعدين لزيادة الدعم وسط تقارير عن غزو محتمل جديد لأراضي أوكرانيا من بيلاروس. وكما ذكر الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ بحق، فإن أوكرانيا هي التي يتعين عليها أن تقرر متى تبدأ المفاوضات وما نوع الشروط. وشدد أيضاً على أن «إذا أردتم نتيجة لتلك المفاوضات تضمن أن تنتصر أوكرانيا بصفتها دولةً مستقلةً ذات سيادة، فعلينا تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا». وفي ضوء الأهمية الوجودية لهذه الحرب بالنسبة إلى أوكرانيا، أرى من المناسب ذكر كلمات غولدا مائير: «إذا خسرنا حرباً، فتلك هي النهاية إلى الأبد، ونختفي من على وجه الأرض. وإن لم يفهم المرء هذا، فلن يفهم العناد. نحن نعتزم البقاء أحياء. جيراننا يريدون رؤيتنا موتى. وهذه ليست مسألة تترك مجالاً كبيراً للتسوية.”
إن الاعتقاد بأن جميع الحروب تنتهي دبلوماسياً بعيد عن الواقع، فقد خيضت حروب عديدة حتى انتهت في ساحة المعركة. ومن المؤكد أن أي اتفاق افتراضي سيتضمن وقفاً لإطلاق النار قد يجلب مزيداً من القمع لملايين الأوكرانيين في الأراضي المحتلة. وأمثلة بوتشا وإيربين وهوستوميل وإزيوم وماريوبول ومدن كثيرة أخرى تتحدث عن نفسها. وستخرق روسيا الاتفاق على أي حال، كما حدث في سياق اتفاق مينسك، لأن موسكو ببساطة لا تكترث للكلفة على سمعتها. علاوة على ذلك، لن يكون الروس مستعدين للانسحاب من الأراضي المحتلة بالفعل ما دامت مهمة استراتيجياً لموسكو للحفاظ على موطئ قدم لعمليات هجومية مستقبلية.
ختاماً، حدد فولوديمير زيلينسكي المطالب الرئيسية لأوكرانيا لبدء مفاوضات مع روسيا: انسحاب القوات الروسية، وإعادة الأراضي الأوكرانية المحتلة، والتعويض عن أضرار الحرب، والملاحقة القضائية لجرائم الحرب. وهذه هي الطريقة الوحيدة لتحقيق سلام عادل ومستدام. وعلى الغرب الجماعي الآن أن يدعم موقف الرئيس الأوكراني ويتخلى عن وهم تغيير واقع لا تكون فيه أوكرانيا قوية بما يكفي ولا تزال روسيا قادرة على الانتصار. وقد استعادت القوات الأوكرانية زمام المبادرة الاستراتيجية في هذه الحرب. ولن تزداد قوة أوكرانيا التفاوضية إلا مع استمرار التقدم في تحرير أراضيها. وكما شددت كايا كالاس، رئيسة وزراء إستونيا، فلا حاجة إلى الدفع نحو سلام سابق لأوانه الآن. وما لم تتخل روسيا عن هدفها المتمثل في غزو أراضٍ جديدة في أوكرانيا، فإن فرص محادثات السلام في تحقيق أي شيء ضئيلة. ويُظهر التاريخ أن الاسترضاء يقوي المعتدين ويشجعهم، وأن العدوان لا يمكن وقفه إلا بالقوة. ولم تحقق روسيا أيّاً من أهدافها منذ إعلان الحرب. وقد خسرت روسيا بالفعل خيرسون، المركز الإقليمي الوحيد الذي تمكنت من الاستيلاء عليه بعد 24 فبراير. وأخيراً، كشف أحدث استطلاع أجرته المجموعة الاجتماعية «Rating» بطلب من Transatlantic Dialogue Center أن الانتصار في الحرب يعني تحرير جميع الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك القرم والأراضي المحتلة مؤقتاً في إقليمي دونيتسك ولوهانسك؛ وهو رأي يؤيده 85% من المستجيبين الأوكرانيين. وقبل بدء أي مفاوضات مع روسيا، يجب أخذ رأي المجتمع الأوكراني في الحسبان. فالشعب الأوكراني مستعد للقتال حتى النصر، رغم قصف البنية التحتية للطاقة والانقطاعات المستمرة للكهرباء في أرجاء البلاد. ويجب احترام إرادة الشعب، وعلى المراقبين والسياسيين في الغرب وقف دعواتهم غير الواقعية إلى المفاوضات فوراً. ولن يؤدي الدفع نحو المفاوضات إلا إلى إحباط الجنود الأوكرانيين والمجتمع المدني الأوكراني، وإلى تصور خاطئ عن نوايا الغرب الجماعي في هذه الحرب. ولا تخطط أوكرانيا للاستسلام مهما بلغ يأس روسيا من كسب بعض الوقت عبر الترويج للمفاوضات.
تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.