

1 MB
تواصل الحملة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة تطورها بمنعطفات غير متوقعة. وبعد انسحاب جو بايدن من الحملة، تولت كامالا هاريس، نائبة الرئيس الحالية، دور مرشحة الحزب الديمقراطي، وسمّت تيم وولز، السيناتور عن مينيسوتا، مرشحاً لمنصب نائب الرئيس معها. ووفقاً لأحدث استطلاعات الرأي، تتقدم بفارق طفيف على ترامب. ويؤكد ذلك ضرورة تحليل استراتيجيتها المحتملة للحرب الروسية الأوكرانية.

خلال ولاية جوزيف بايدن الرئاسية، اتبعت كامالا هاريس سياسة إدارته بشأن أوكرانيا. ويبرز الخبراء دورها في تمثيل الولايات المتحدة في محافل دولية محورية تتعلق بالأحداث في أوكرانيا. وقبل الغزو واسع النطاق، ترأست نائبة الرئيس الوفد الأميركي في مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير 2022. وهناك أعادت تأكيد التزام الولايات المتحدة بأمن أوكرانيا واستعدادها للرد على أي هجوم من جانب الاتحاد الروسي. كما زودت المسؤولين الأوكرانيين بأحدث التقارير الاستخباراتية لتمكينهم من الاستعداد على نحو أفضل لغزو محتمل.
على الرغم من نداءات الرئيس زيلينسكي لفرض عقوبات وقائية على روسيا وزيادة إمدادات الأسلحة، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والمدفعية الثقيلة، التزمت كامالا هاريس بالموقف الرسمي للبيت الأبيض. ويُقال إن هذا الموقف تسبب في بعض التوتر بين الطرفين خلال المؤتمر. ويسلط كثير من المراقبين الضوء على هذه اللحظة، مشيرين إلى أن العلاقة بين هاريس وزيلينسكي معقدة، الأمر الذي قد يؤثر في سياسة إدارة هاريس تجاه أوكرانيا. وعلاوة على ذلك، لم تكن خلال رئاسة بايدن دوافع أو فرص كافية لتعميق علاقة الزعيمين، ويرجع ذلك أساساً إلى أن الرئيس نفسه، إلى جانب بعض مستشاريه ووزير الخارجية، اضطلع بدور أكثر بروزاً في صياغة سياسة الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا، بعكس نائبة الرئيس.

بعد بدء الغزو واسع النطاق، واظبت نائبة الرئيس كامالا هاريس على تأييد مواقف البيت الأبيض والرئيس جو بايدن. والجدير بالذكر أن هاريس مثّلت الولايات المتحدة في مؤتمر ميونخ للأمن في عامي 2023 و2024، وشاركت في قمة السلام التي نظمتها أوكرانيا في يونيو 2024. كما أثارت قضية أوكرانيا خلال اجتماعاتها مع القادة الأوروبيين، مشددةً على أمن القارة الأوروبية وأهمية تقديم دعم طويل الأمد لأوكرانيا. ومع أن هاريس التقت الرئيس زيلينسكي، فإنها لم تزر أوكرانيا قط، بخلاف الرئيس بايدن الذي كان قد أقام علاقات مع أوكرانيا خلال خدمته في إدارة أوباما.
تشير التحليلات الأولية لاستراتيجية نائبة الرئيس هاريس في الحرب الروسية الأوكرانية إلى أنها ستواصل على الأرجح دعم إدارة بايدن القوي لأوكرانيا، بما في ذلك المساعدات المالية والعسكرية، مع اتخاذ تدابير لمنع التصعيد وتجنب جرّ الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى صراع مفتوح مع روسيا. ومن المتوقع أن تحافظ هاريس على المشاركة النشطة للولايات المتحدة في حلف الناتو والأمن الأوروبي. ومع ذلك، قد يتحول تركيز سياستها الخارجية بدرجة أكبر نحو آسيا، التي تتمتع بأهمية استراتيجية أكبر للولايات المتحدة بالنظر إلى ديناميات العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن موقف هاريس من دعم الولايات المتحدة لإسرائيل يختلف إلى حد ما عن موقف بايدن. فهي تتبنى موقفاً يجد صدى قوياً على نحو خاص لدى الناخبين الأميركيين الأصغر سناً.
على الرغم من أن إدارة هاريس ستبقى ملتزمة بالتحالفات الدولية، ولا سيما حلف الناتو، فقد يتراجع التركيز الأميركي على أوكرانيا إلى حد ما بسبب التحديات السياسية الداخلية. وفي حين لا يُتوقع أن يتغير الدعم العسكري لأوكرانيا تغيراً كبيراً، يقترح بعض الخبراء أن فريق هاريس قد يرفع بعض القيود المفروضة على استخدام أوكرانيا للأسلحة الأميركية، بما يشجع الحلفاء الأوروبيين، ومنهم فرنسا والمملكة المتحدة ودول أوروبا الوسطى مثل بولندا وجمهورية التشيك، وربما حتى ألمانيا، على اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه روسيا والاضطلاع بدور قيادي داخل التحالف الغربي الداعم لأوكرانيا. لكن لا ينبغي توقّع إجراءات أكثر حسماً تهدف إلى هزيمة روسيا في الحرب، ولا زيادة كبيرة في الاهتمام الأميركي بالحرب الروسية الأوكرانية في حد ذاتها.
تمثل هاريس تحولاً جيلياً وتحولاً في النظرة إلى العالم. فعلى خلاف بايدن، الذي تشكلت مسيرته إلى حد كبير بفعل الحرب الباردة وتعكس استراتيجيته في أوكرانيا تأثير تلك الحقبة، تجسد نائبة الرئيس منظور جيل جديد من القيادة الأميركية. وبصفتها المدعية العامة السابقة وعضوةً سابقةً في مجلس الشيوخ عن كاليفورنيا، تتمتع بفهم عميق للقضايا الداخلية الحيوية في الولايات المتحدة، بما في ذلك الهجرة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية والذكاء الاصطناعي (AI) وتغير المناخ، وهي موضوعات تلقى صدى قوياً لدى الشباب الأميركيين. لكنها، بوصفها ذات توجه دولي، تدعو إلى قيادة أميركية عالمية قوية، إيماناً منها بأن ذلك يعزز الولايات المتحدة ويحمي مصالح شعبها. ومع ذلك، قد تركز سياستها الخارجية بصورة متزايدة على إقامة تحالفات أقوى خارج أوروبا، انطلاقاً من رؤية أكثر عولمةً للانخراط الأميركي، وضرورة تأمين سلاسل الإمداد، والحاجة إلى مواجهة نفوذ الصين، مع مواصلة سياسات بايدن في المنطقة الأوروبية. وبوجه عام، يُرجح أن تعتمد استراتيجية كامالا هاريس بشأن أوكرانيا اعتماداً كبيراً على كبار مستشاريها، الذين يتمتعون بخبرة واسعة وسبق لهم العمل في إدارات رئاسية سابقة.
«أعتقد أن من المصلحة الجوهرية للشعب الأميركي أن تواصل الولايات المتحدة أداء دورها الراسخ منذ أمد طويل في القيادة العالمية. … وأؤمن إيماناً راسخاً بأن دور أميركا في القيادة العالمية يعود بالنفع المباشر على الشعب الأميركي. فقيادتنا تحافظ على أمن وطننا، وتدعم الوظائف الأميركية، وتؤمّن سلاسل الإمداد، وتفتح أسواقاً جديدة أمام السلع الأميركية»، قالت كامالا هاريس في خطابها أمام مؤتمر ميونخ للأمن عام 2024.

وُجّهت بعض الانتقادات إلى خبرة نائبة الرئيس في السياسة الخارجية. وعلى الرغم من بعض محاولات التضليل التي تزعم افتقارها إلى الخبرة في صنع السياسة الدولية بسبب تركّز مسيرتها المهنية السابقة أساساً في إنفاذ القانون، فإنها تُعد في الواقع واحدة من أكثر مرشحي الرئاسة خبرةً على الصعيد الدولي منذ جورج بوش الأب عام 1989 (باستثناء جو بايدن).
أولاً، خلال ولايتها في مجلس الشيوخ، عملت عضوةً في لجنتي الاستخبارات والأمن الداخلي، ما أتاح لها الاطلاع على معلومات سرية تتعلق بالأمن القومي للولايات المتحدة. وإضافة إلى ذلك، أخذت تنوب عن بايدن في محافل دولية مختلفة منذ بداية ولايتها نائبةً للرئيس. ومن اللافت أن دورها في استجابة الولايات المتحدة لحرب روسيا على أوكرانيا كان بارزاً، إذ شاركت في محافل بالغة الأهمية في أوروبا والتقت الرئيس زيلينسكي ست مرات. ويشير ذلك إلى إلمامها بما هو على المحك في أوكرانيا وبالأهمية الاستراتيجية لدعم الولايات المتحدة لأوكرانيا في الحرب. ومن الجدير بالذكر أيضاً نهج نائبة الرئيس في مجال حقوق الإنسان. فنظراً إلى خبرتها كمدعية عامة، تتبنى نهجاً لا هوادة فيه تجاه انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما يتجلى بصفة خاصة في موقفها المختلف إلى حد ما عن موقف جو بايدن من النزاع في غزة. وفي ما يتعلق بأوكرانيا، سلطت كامالا هاريس الضوء مراراً في خطاباتها على جرائم الحرب التي ترتكبها روسيا، ولا سيما خلال مؤتمر ميونخ للأمن عام 2023.
«أولاً، منذ الأيام الأولى لهذه الحرب التي لم يسبقها استفزاز، شهدنا القوات الروسية وهي ترتكب فظائع مروعة وجرائم حرب. … ولنكن واضحين: شنت القوات الروسية هجوماً واسع النطاق ومنهجياً على السكان المدنيين، وارتكبت أفعالاً بشعة تمثلت في القتل والتعذيب والاغتصاب والترحيل. عمليات قتل بأسلوب الإعدام، وضرب، وصعق بالكهرباء. … وقد خلصت الولايات المتحدة رسمياً إلى أن روسيا ارتكبت جرائم ضد الإنسانية».
وعلاوة على ذلك، شددت في هذا الخطاب على أهمية ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب قضائياً. ويشير ذلك إلى أن نهج نائبة الرئيس قد يؤثر بدرجة كبيرة في التحقيق الدولي في الجرائم الروسية ضد الإنسانية في أوكرانيا. كما أعادت تأكيد التزام الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا، وضرورة حماية النظام الدولي، والفوائد طويلة الأمد لمشاركة الولايات المتحدة في أوكرانيا بالنسبة إلى الشعب الأميركي.
اختارت كامالا هاريس مؤخراً تيم والز مرشحاً لمنصب نائب الرئيس على بطاقتها الانتخابية، وهو خيار يُنظر إليه على أنه يصب في مصلحة دعم أوكرانيا. ووفقاً لأوكسانا ماركاروفا، سفيرة أوكرانيا لدى الولايات المتحدة، فإن الحاكم والز حليف راسخ لأوكرانيا. والجدير بالذكر أنه كان من أوائل حكام الولايات الذين أصدروا توجيهات بإنهاء جميع عقود الشركات المملوكة للولاية مع روسيا عام 2022. ولذلك، يمكن افتراض أن أوكرانيا ستظل مصلحة استراتيجية للبيت الأبيض إذا فاز فريق هاريس-والز.
يرى الخبراء أن سياسة هاريس بشأن أوكرانيا ستعتمد إلى حد كبير على كبار مستشاريها. ومن المرجح جداً أن تواصل استراتيجية إدارة بايدن بشأن أوكرانيا، لكن يُتوقع أن تستبدل عدداً من أبرز المسؤولين الذين عيّنهم بايدن، وهم مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن. ويوصف فريقها الاستشاري الحالي بأنه «تقليدي التوجه» و«دولي التوجه»، ويتمتع أعضاؤه بخبرة واسعة في إدارات سابقة للبيت الأبيض. وإذا انتُخبت هاريس، فمن المرجح أن يحل مستشارها الحالي للأمن القومي فيليب غوردون، الذي خدم في إدارتي أوباما وكلينتون وهو خبير في شؤون أوروبا، محل جيك سوليفان. ويُنظر إلى هذا التغيير بوصفه مواتياً لأوكرانيا. ويُعرف سوليفان بموقفه القائم على «عدم التصعيد» من الحرب الروسية الأوكرانية، ولا سيما في ما يتعلق بالقيود المفروضة على استخدام أوكرانيا للذخائر الأميركية في توجيه ضربات إلى عمق الأراضي الروسية. وعلى الرغم من أن تصريحات غوردون العلنية تشير إلى أنه يتبنى منظوراً مماثلاً، فإن وجوده في إدارة هاريس قد يضمن استمرار الانخراط الأميركي في أوكرانيا وترسيخ إدراك أن صمود أوكرانيا أمر حاسم للمصالح الاستراتيجية الأميركية.
إلى جانب فيليب غوردون، يُتوقع أن تحتفظ ريبيكا ليسنر، التي تشغل حالياً منصب نائبة مستشار الأمن القومي، بدورها في فريق هاريس. ومن الشخصيات الرئيسية الأخرى الجديرة بالمتابعة توم دونيلون، مستشار الأمن القومي السابق في عهد أوباما، ورام إيمانويل، الذي يشغل الآن منصب سفير الولايات المتحدة لدى اليابان.

من المرجح أن تصبح ميشيل فلورنوي، التي شغلت منصب وكيلة وزير الدفاع للسياسات خلال ولاية أوباما، أول وزيرة للدفاع. وقد دعمت أوكرانيا منذ الأيام الأولى للغزو واسع النطاق، مؤكدة أهمية استخلاص الدروس من الحرب الروسية الأوكرانية للاستعداد على نحو أفضل للأزمات المستقبلية. كما أشارت فلورنوي إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها كان بإمكانهم تزويد أوكرانيا بمزيد من الأسلحة قبل الغزو، ما كان سيعزز قدراتها العسكرية.
في الختام، يمثل النهج المتوقع لكامالا هاريس تجاه الحرب الروسية الأوكرانية استمراراً لسياسات إدارة بايدن؛ إذ يشدد على دعم أوكرانيا بقوة من خلال المساعدات المالية والعسكرية، مع مواصلة التركيز الاستراتيجي على تجنب الصراع المباشر مع روسيا. وفي الوقت نفسه، يتوقع البعض أن تفضي سياسة كامالا هاريس إلى انتقال زمام قيادة دعم أوكرانيا إلى بعض الحلفاء الأوروبيين. ومع ذلك، أظهرت فترة توليها منصب نائبة الرئيس التزاماً بالتحالفات الدولية وموقفاً استباقياً من الأمن الأوروبي، ويُتوقع أن يستمر هذا النهج. وفي المقابل، قد يفضي منظور هاريس الأوسع للسياسة الخارجية، الذي شكلته خلفيتها الجيلية والمهنية، إلى تحولات دقيقة، لا سيما نحو الانخراط العالمي خارج أوروبا والتصدي للتحديات الجيوسياسية الناشئة. وتشير التغييرات المحتملة في فريقها الاستشاري، إلى جانب اختيار تيم والز شريكاً لها في السباق، إلى التزام مستمر بقضية أوكرانيا، لكن من غير المرجح أن تؤدي هذه العوامل إلى تغيير كبير في آفاق أوكرانيا في مواجهة روسيا.
إخلاء المسؤولية: الآراء والأفكار ووجهات النظر الواردة في الأوراق المنشورة على هذا الموقع تخص المؤلفين وحدهم، ولا تعكس بالضرورة آراء مركز الحوار عبر الأطلسي أو لجانه أو منظماته التابعة. وتهدف هذه الأوراق إلى تحفيز الحوار والنقاش، ولا تمثل مواقف سياسية رسمية لمركز الحوار عبر الأطلسي أو لأي من المنظمات الأخرى التي قد يكون المؤلفون مرتبطين بها.
تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.