

2 MB

في الواقع الجيوسياسي الراهن، تواجه الولايات المتحدة تحدياً أمنياً رئيسياً: التقارب الاستراتيجي بين جمهورية الصين الشعبية والاتحاد الروسي. وتمتد الشراكة بين هاتين الدولتين على مساحات شاسعة من أوراسيا، وتمتلك موارد وقدرات عسكرية هائلة، بما في ذلك أسلحة نووية استراتيجية، ما يشكل تهديداً مباشراً للمصالح الوطنية للولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. لذلك، ينظر بعض الخبراء الأمريكيين في تكرار نجاح حالة مماثلة، هي الانقسام السوفيتي-الصيني في سبعينيات القرن العشرين. ومن شأن ذلك أن يمنع تقارباً مفرطاً بين الدولتين عبر تطبيق استراتيجية تُعرف باسم «كيسنجر المعكوس»، وتقضي بتقريب الولايات المتحدة من روسيا لموازنة التهديد الأكبر الناجم عن النمو السريع لقوة الصين.
في سياق المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، يبدو تكرار نجاح كيسنجر ونيكسون عبر تقسيم القوتين القاريتين الأوراسيتين جذاباً للغاية، بل وضرورياً، في ضوء تراجع دور الغرب في السياسة العالمية. غير أن تكييف مقاربات هنري كيسنجر مع العلاقات الروسية-الصينية في واقع اليوم غير فعّال ومحفوف بالمخاطر. فعلى خلاف سبعينيات القرن العشرين، ترتبط روسيا والصين اليوم بأوثق العلاقات في تاريخهما، كما يتضح من تعاونهما الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي الوثيق، فضلاً عن دبلوماسيتهما المشتركة المناهضة للولايات المتحدة. ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تقدم لموسكو مزايا تحل محل دعمها للصين، كما أن تقديم تنازلات للكرملين يهدد بتدمير منظومة الأمن القائمة على التحالفات.
أولاً، من المفيد فهم جوهر مثلث الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين في أوائل سبعينيات القرن العشرين.
شهدت العلاقات بين الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية، منذ ستينيات القرن العشرين، أزمة عميقة بسبب الصراع بين ماو تسي تونغ ونيكيتا خروتشوف، والذي أسفر عن مناوشة حدودية في جزيرة دامانسكي (1969). وعلى خلفية الثورة الثقافية وتدهور العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، بدأت الصين نفسها تبدي اهتماماً بالتقارب مع الولايات المتحدة.

في عام 1972، وبغية منع تشكل كتلة شيوعية أوراسية، بادرت إدارة نيكسون إلى التقارب مع جمهورية الصين الشعبية، وهو ما منح الولايات المتحدة ورقة ضغط إضافية في علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي، وأفضى، بعد عام 1979، إلى تعاون دفاعي بين الولايات المتحدة والصينضد التهديد السوفيتي. وكان كيسنجر يرى أنه من الأفضل دائماً للولايات المتحدة «أن تكون أقرب إلى موسكو أو بكين [1] مما تكون إحداهما قريبةً من الأخرى».
في ثمانينيات القرن العشرين، أتاح انفتاح الاقتصاد الصيني للشركات الأجنبية الوصول إلى سوق تضم نحو 900 مليون مستهلك وقوة عمل كبيرة ورخيصة. ومن خلال إنشاء مناطق اقتصادية خاصة تمنح إعفاءات ضريبية وتفضيلات جمركية وإجراءات مبسطة، استقطبت جمهورية الصين الشعبية استثمارات واسعة ونقل الإنتاج، محققةً أرباحاً كبيرة للشركات الدولية.
استغل كيسنجر، بفاعلية، الانقسام السوفيتي-الصيني القائم آنذاك وأجرى مناورة جيوسياسية ناجحة. فقد فتحت دبلوماسيته المثلثة الصين أمام الأعمال الأمريكية والدولية، وخلقت شريكاً مهماً للولايات المتحدة في مواجهة النفوذ السوفيتي. أما اليوم، فتُظهر العلاقات الروسية-الصينية تزامناً في الأهداف الاستراتيجية، ومن ثم لا يوجد انقسام داخلي تستطيع واشنطن استغلاله.
بعد ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014 والعقوبات الغربية، اتجهت روسيا فيما سُمّي «الانعطاف نحو الشرق». وقد رُسمت ملامح هذه السياسة عام 2019 في مجموعة من التقارير بعنوان «نحو المحيط العظيم» (К Великому Океану) صادرة عن نادي فالداي، وهو مركز أبحاث روسي بارز وثيق الصلة بالنخبة الحاكمة، يصوغ السرديات الرئيسية للسياسة الخارجية للكرملين ويعبّر عنها. ونظراً إلى تنامي دور آسيا في الاقتصاد والسياسة العالميين، أشار المؤلفون إلى ضرورة اندماج روسيا بنشاط في الأسواق الآسيوية وتنويع تجارتها الخارجية والمشاركة في المبادرات الإقليمية. كما أبرزوا دور الصين المحوري بوصفها المحرك الرئيسي لـ«انعطاف روسيا نحو الشرق»، ودورها في دعم الاقتصاد الروسي في ظل العقوبات الغربية. وبوجه عام، يضع هذا المفهوم روسيا في موقع قوة أوروبية-أطلسية-مطلة على المحيط الهادئ، قادرة على الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى في القرن الحادي والعشرين من خلال نموذج متوازن لحضور روسيا العالمي ومشاركة فاعلة في تشكيل نظام سياسي واقتصادي جديد في آسيا.
منذ عام 2022، حدث تكثيف ملحوظ للتعاون بين موسكو وبكين. ففي 4 فبراير/شباط 2022، أي قبل الغزو بعشرين يوماً، زار بوتين الزعيم الصيني في بكين، حيث نُشر بيان مشترك بشأن «العلاقات الدولية في عصر جديد والتنمية العالمية المستدامة». وقدّمت روسيا والصين في هذا البيان نفسيهما بوصفهما قوتين عالميتين مهيمنتين. كما أدان الطرفان توسع المؤسسات متعددة الأطراف التي يقودها الغرب، مثل حلف الناتو وAUKUS. وفي الوقت نفسه، شددت الدولتان على أهمية توسيع المؤسسات التي تتمتعان فيها بنفوذ كبير، مثل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) وBRICS. وتستخدم روسيا والصين التجمع الأخير لتعزيز أنظمة دفع دولية وعملات تجارية بهدف إضعاف هيمنة الدولار. وأعلنت الدولتان إنشاء «شراكة بلا حدود» وتوحيد الجهود لمواجهة النظام الليبرالي الأمريكي.

في الأمم المتحدة، غالباً ما تتصرف هاتان الدولتان كحليفتين، إذ لم تستخدم أي منهما حق النقض ضد قرار بادرت إليه الأخرى. وفي معظم الحالات، تؤيد الصين روسيا أو تمتنع عن التصويت في القضايا التي تستخدم روسيا حق النقض فيها. وخلال الأعوام العشرين الماضية، اختلفت بكين وموسكو في التصويت مرة واحدة فقط — في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حين عرقلت روسيا قراراً بشأن وقف إطلاق النار في السودان، دعمته الصين على النقيض من ذلك.
في 21 مارس/آذار 2023، خلال زيارة شي جين بينغ إلى موسكو، وقّع زعيما البلدين بياناً مشتركاًبشأن «تعميق الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي في العصر الجديد»، حدّد مستوى العلاقات الروسية-الصينية بأنه «الأعلى في التاريخ». وتجسّد الدعم الدبلوماسي الصيني لروسيا في زيارة الزعيم الصيني إلى العرض العسكري في موسكو المخصص لذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية يومي 8 و9 مايو/أيار 2025. وخلال العرض، تعهّد زعيما الدولتين بمواجهة نفوذ الولايات المتحدة. ومن المقرر عقد الاجتماع التالي في سبتمبر/أيلول 2025 في الصين خلال عرض عسكري بمناسبة نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أعلنت بكين خططاً لدعوة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب إليه.
في ضوء هذا المستوى الرفيع من التفاعل السياسي، الذي تعززه اتفاقيات استراتيجية عديدة ومواقف منسقة على الساحة الدولية والثقة الشخصية بين شي وبوتين، يبدو احتمال حدوث صدع سياسي كبير بين موسكو وبكين ضئيلاً للغاية.
شهدت التجارة بين البلدين نمواًبنحو الثلث في عامي 2022–2023، لتصل إلى مستوى قياسي يزيد على 235 مليار دولار، وظلت عند مستوى تاريخي مرتفع حتى رغم تباطؤ النمو في عام 2024 بسبب تهديدات غربية بفرض عقوبات ثانوية على التعاون مع روسيا.

يهيمن قطاع الطاقة الروسي على صادراتها، ولا سيما إلى الصين. فقد أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط الروسي، لتحل محل أوروبا بوصفها المشتري الرئيسي لهذه السلعة. وشكّل النفط الخام ما يقرب من نصف صادرات روسيا إلى الصين من حيث القيمة في كل عام بين 2021 و2023. وارتفعت القيمة الإجمالية لصادرات الوقود المعدني من روسيا إلى الصين بشكل كبير بين عامي 2021 و2023، وشكلت معظم إجمالي صادرات روسيا إلى الصين، ما يدل على تزايد اعتماد صادرات الطاقة الروسية على السوق الصينية.
في الوقت نفسه، لم تشكل روسيا سوى 19% من واردات الصين من النفط الخام، إذ تفضّل الصين تنويع مورديها (ولهذا تؤجل بكين الموافقة على خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2» الذي اقترحته روسيا). غير أنه بسبب الانخفاض الكبير في أسعار موارد الطاقة الروسية، يظل الاتحاد الروسي أكبر مصدر للنفط إلى الصين، مما يدعم اقتصاده في سياق الحرب المُنهِكة ضد أوكرانيا. وعلى الرغم من مطالب واشنطن وتهديداتها بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على السلع الصينية، ترفض الصين وقف استيراد الطاقة من روسيا، مظهرةً بذلك تضامناً استراتيجياً مع موسكو.
كما زادت صادرات الصين إلى روسيا بعد الغزو، لكنها أكثر تنوعاً. فقد صدّرت الصين سلعاً بقيمة 72.7 مليار دولار إلى روسيا في عام 2021، كان نحو نصفها إلكترونيات وآلات. وفي عام 2023، ارتفع هذا المبلغ إلى 110 مليارات دولار، ويرجع ذلك أساساً إلى صناعة السيارات: إذ زادت مبيعات السيارات والشاحنات وغيرها من وسائل النقل من الصين إلى روسيا أكثر من أربعة أضعاف في ثلاث سنوات. والغالبية العظمى من هذه الواردات سلع استهلاكية عادية أو آلات ومكونات صناعية. وفي الوقت نفسه، تستخدم روسيا بنشاط منتجات مزدوجة الاستخدام توردها الصين، مثل الإلكترونيات والآلات والمركبات المدنية، لأغراض عسكرية في أوكرانيا.
لذلك، يمكن القول إن التعاون الاقتصادي مع الصين، رغم عدم تماثله، يزوّد السكان الروس بالسلع الاستهلاكية، ويدعم الاقتصاد بتمويل حيوي، ويجهز الجيش بالتكنولوجيات الأساسية لخوض الحرب ضد أوكرانيا.
ومع ذلك، لا يزال التعاون الاقتصادي بعيداً عن أن يكون «شراكة بلا حدود». فقد عقّدت العقوبات الدولية الدعم الاقتصادي الصيني لروسيا. وبدأت ثلاثة من أكبر أربعة بنوك مملوكة للدولة في الصين و98% من البنوك الصينية المحلية ترفض المعاملات المالية باليوان مع المؤسسات الروسية الخاضعة للعقوبات، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2023 أنها ستفرض عقوبات ثانوية على المؤسسات المالية التي تسهّل التجارة مع روسيا. ومنذ يناير/كانون الثاني 2025، خفضت شركات النفط الصينية المملوكة للدولة واردات النفط الروسي بسبب المخاوف من العقوبات الثانوية للولايات المتحدة على قطاع الطاقة الروسي.
على الرغم من أن العقوبات الغربية كان لها أثر رادع كبير في أنشطة الشركات والمؤسسات المالية الصينية، لا تزال موسكو وبكين تجدان سبلاً للالتفاف عليها. وتستخدم روسيا ما يسمى «أسطول الظل» — أي ممارسة نقل النفط الروسي من ناقلات خاضعة للعقوبات إلى ناقلات غير خاضعة للعقوبات توصل الشحنات إلى الموانئ الصينية. وتستخدم بعض شركات النفط الروسية العملات المشفرة لتيسير تحويل اليوان الصيني إلى الروبل الروسي، وكذلك الذهب، متجنبةً استخدام الدولار. وقد أنشأت البنوك الروسية الكبرى نظام دفع للمقاصة يسمى «China Track» للمعاملات مع الصين، بهدف تخفيف مخاطر العقوبات الثانوية. ووفقاً لمصادر رويترز، ربما بدأت روسيا والصين في استخدام تجارة المقايضة، وهو ما سيسمح لهما بالالتفاف على مشكلات الدفع، وتقليل وضوح المعاملات الثنائية أمام الجهات التنظيمية الغربية، والحد من مخاطر العملة.
وبذلك، يمكن القول إن التعاون الاقتصادي الروسي-الصيني مفيد للغاية للطرفين، وإن الدولتين تسعيان إلى الحفاظ عليه حتى في ظل العقوبات الغربية. وفي هذه الظروف، لا تملك الولايات المتحدة أدوات لتحل محل السوق الصينية والدعم التكنولوجي المقدم لموسكو من دون تدمير أنظمة عقوباتها وقبول الطموحات الجيوسياسية لموسكو وبكين.
أصبحت الصين شريك روسيا الرئيسي في المجال العسكري-التقني، ولا سيما بعد عام 2014 والغزو الشامل لأوكرانيا. ووفقاً للمبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي ديفيد أوسوليفان، فإن نحو 80% من مكونات صناعة الدفاع الروسية تأتي من الصين أو هونغ كونغ. ووفقاً لاستخبارات الولايات المتحدة، كان 90% من الإلكترونيات الدقيقة ونحو 70% من الأدوات الآلية التي استخدمتها روسيا في عام 2023 من منشأ صيني.
في يناير/كانون الثاني 2025، أجرى مشروع Schemes (راديو ليبرتي) تحقيقاً صحفياً أظهر أن الصين أصبحت أكبر مورد، وفي بعض الحالات المورد الوحيد، للمعادن الحرجة اللازمة لإنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ، مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون، وهي معادن خاضعة للعقوبات الغربية. ويرتبط جزء كبير من الموردين بهيئات الدولة والحزب الشيوعي الصيني. ووجد التحقيق أن من بين موردي المواد الكيميائية الحرجة الرئيسيين لروسيا شركة Yunnan Lincang Xinyuan Germanium Industry، التي يُعد باو ويندونغ، عضو الحزب الشيوعي الصيني، مساهمها الرئيسي ورئيس مجلس إدارتها. وفي 15 يناير/كانون الثاني 2025، فرضت وزارة خارجية الولايات المتحدة عقوبات على Wafangdian Bearing Company، وهي شركة صينية مملوكة للدولة يُزعم أنها تورد محامل إلى شركة النقل الروسية Tascom. ويغدو التعاون مع الصين بالغ الأهمية للكرملين في ظل الطلب المرتفع على الموارد في الحرب ضد أوكرانيا واستنزاف قدرات صناعة الدفاع الروسية.

كما تعمّق الدولتان تعاونهما في تطوير الأسلحة. ووفقاً لبلومبرغ، فإن شركات روسية وصينية تطوّر طائرة مسيّرة هجومية شبيهة بطائرة شاهد الإيرانية. وفي سبتمبر/أيلول 2024، أفادت رويترز، نقلاً عن مصادر في الاستخبارات الأوروبية، بأن روسيا تبني مصنعاً لإنتاج طائرات مسيّرة هجومية بعيدة المدى في الصين. ووفقاً للمصادر، طورت IEMZ Kupol، وهي شركة تابعة لشركة الأسلحة الروسية المملوكة للدولة Almaz-Antey، نموذجاً جديداً من Harpy-3 (G3) وأجرت اختبارات طيران له في الصين بمساعدة مختصين محليين، واستخدمته روسيا لمهاجمة البنية التحتية العسكرية والمدنية في أوكرانيا.
كما تقدم جمهورية الصين الشعبية مساعدة نشطة للاتحاد الروسي في مجال المعلومات الاستخباراتية. ووفقاً لاستخبارات الولايات المتحدة، فإن الصين تزوّد روسيا ببيانات استخباراتية جغرافية-مكانية تُستخدم في الحرب ضد أوكرانيا ورصد انتشار قوات حلف الناتو في أوروبا. وتتعاون وزارة الدفاع الروسية مع الشركتين الصينيتين HEAD Aerospace وSpacety.
كما تعمّق الصين وروسيا تعاونهما في قطاع الفضاء. ففي عام 2022، وقّعت وكالة الفضاء الروسية روسكوسموس ولجنة نظام الملاحة الصيني بالأقمار الاصطناعية اتفاقاً بشأن «ضمان التكامل» ومزامنة الأقمار الاصطناعية بين نظام GLONASS الروسي ونظام BeiDou الصيني. ويمكن للتحسينات في دقة وتغطية GLONASS وBeiDou أن تقلل الاعتماد العالمي على GPS، بما يقوّض النفوذ الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة. كما أن أقمار النظامين ضرورية لاستطلاع المنصات العسكرية وملاحتها، من حاملات الطائرات إلى الصواريخ الباليستية. وبمساعدتها، ستتمكن الصين من تحديد مواقع حاملات الطائرات التابعة للولايات المتحدة بفاعلية أكبر واستهدافها بدقة أعلى في حال نشوب نزاع محتمل، مما يشكل تهديداً كبيراً للأمن العسكري العالمي للولايات المتحدة.
إضافة إلى ذلك، في سبتمبر/أيلول 2022، وقّعت روسيا والصين عقوداً لنشر محطات GLONASS روسية في الصين ومحطات BeiDou صينية في روسيا، بما يؤكد عمق ثقتهما الاستراتيجية. وتستفيد الصين من تبادل التكنولوجيا مع روسيا في سعيها إلى تجاوز الولايات المتحدة في الفضاء، مما سيحسن القدرات العسكرية للبلدين في مواجهة الغرب. كما تهتم موسكو بالتعاون مع الصين في استكشاف الفضاء، ولا سيما في ضوء إخفاقاتها، كما يتضح أكثر من خلال الاتفاق على العمل المشترك لاستكشاف القمر وإنشاء قاعدة قمرية.
إلى جانب توفير الموارد والمعدات والتكنولوجيا، يجري الطرفان تدريبات عسكرية مشتركة بانتظام. ويستند التعاون إلى «خارطة طريق التعاون العسكري للفترة 2021-2025» الموقعة في نوفمبر/تشرين الثاني 2021. وهي تنص على تكثيف التدريبات الاستراتيجية والدوريات المشتركة والاتصالات بين وزارتي دفاع البلدين، وتبرز قوة الشراكة بين موسكو وبكين. ومنذ توقيعها، أجرى البلدان ما لا يقل عن 31 تدريباً مشتركاً، بما في ذلك مناورات متعددة الأطراف مع إيران تسمى «حزام الأمن البحري». وفي مايو/أيار 2022، أجرى البلدان دورية مشتركة استمرت 13 ساعة بمشاركة قاذفات فوق بحر اليابان وبحر الصين الشرقي، أثناء زيارة رئيس الولايات المتحدة آنذاك جوزيف بايدن إلى طوكيو لحضور اجتماع لتحالف Quad. ويمكن النظر إلى هذه الخطوة بوصفها رداً من الكتلة الروسية-الصينية على تعزيز الشراكة الإقليمية للولايات المتحدة مع بلدان منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
كما شاركت روسيا والصين في التدريبات البحرية والجوية المشتركة «Northern/Interaction» (2023, 2024) و«Joint Sea» (2022, 2024, 2025) في بحر اليابان وبحر الصين الشرقي. وفي يوليو/تموز 2024، أجرت الدولتان أول دورية مشتركة معروفة لقاذفات استراتيجية، شاركت فيها طائرتان من طراز Tu-95 وطائرتان من طراز H-6 بالقرب من ألاسكا في يوليو/تموز 2024، وعبرت لفترة وجيزة منطقة تحديد الدفاع الجوي لألاسكا (ADIZ).
يُظهر تحليل هذه الوقائع أن التعاون العسكري-التقني والاستخباراتي بين جمهورية الصين الشعبية والاتحاد الروسي استراتيجي ويتجاوز التعاون الظرفي. وتشير طبيعته المنهجية الشاملة وامتداده إلى مجالات حيوية، من توريد مكونات الصناعات الدفاعية والتطوير المشترك للأسلحة إلى تكامل أنظمة الملاحة الفضائية وتبادل البيانات الاستخباراتية والتدريبات المنتظمة واسعة النطاق، إلى تشكّل بنية تحتية مستقرة لشراكة أمنية. ولا يهدف نموذج التعاون هذا إلى تعزيز القدرات الدفاعية المتبادلة فحسب، بل أيضاً إلى إنشاء ثقل موازن طويل الأمد للولايات المتحدة وحلفائها.
لماذا لن تختار موسكو واشنطن
في ظل هذه الظروف، لا تهتم موسكو بالتقارب، إذ لا تفوق المنافع المحتملة لعلاقات أدفأ مع الولايات المتحدة كلفة الابتعاد عن الصين. وتُظهر روسيا حالياً اعتماداً متزايداً على التكنولوجيا والأسواق والتعاون العسكري الصيني، وهي أمور لا تستطيع واشنطن عرضها مقابل قطع الصلات مع بكين. ولن تحل الولايات المتحدة محل العقود الصينية للطاقة الروسية، إذ إن البلد يصدّر نفطاً أكثر مما يستورد. ولن تُرفع العقوبات الغربية بالكامل، على الرغم من إمكان أن يخففها الأمريكيون، بسبب موقف الأوروبيين؛ كما يبدو التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وروسيا مستحيلاً بسبب عداء روسيا للولايات المتحدة وعدم اهتمام واشنطن بالتكنولوجيا العسكرية الروسية.
لا تستطيع الولايات المتحدة أن تقدم لروسيا بديلاً يعادل الدعم الصيني، ما يجعل فكرة التقارب الروسي-الأمريكي غير جذابة استراتيجياً للطرفين. ففي الظروف الراهنة، تحصل روسيا من الصين على ما لا تستطيع الولايات المتحدة تقديمه من دون مراجعة جوهرية لمبادئها: تعاون اقتصادي مستقر رغم العقوبات، وتعاون تكنولوجي وعسكري، وغطاء دبلوماسي على الساحة الدولية، والأهم من ذلك، قبول طموحات روسيا في الفضاء ما بعد السوفيتي مع المساعدة في تقويض الدور العالمي للولايات المتحدة نفسها. ومن غير المرجح أن تقف موسكو إلى جانب الولايات المتحدة في احتواء الصين، إذ لديها أسباب كثيرة للتعاون الوثيق معها.
لا تستطيع الولايات المتحدة تقديم هذه المزايا لروسيا من دون تدمير نظام تحالفاتها في أوروبا وآسيا، وهو ما سيجعل أي تقارب استراتيجي باهظ الكلفة للغاية ومسموماً سياسياً. وحتى لو نظرت واشنطن في مثل هذا السيناريو، فإن مستوى الثقة بين الطرفين بعد عقود من المواجهة والصراعات العديدة وغزو روسيا لأوكرانيا لا يسمح بشراكة مستقرة. وهكذا، في ضوء محدودية الموارد وتضارب المصالح وانعدام الثقة العميق، لا يملك أي من الطرفين حافزاً براغماتياً للتقارب الاستراتيجي.
إضافة إلى ذلك، الولايات المتحدة بلد ديمقراطي يُنتخب فيه الرئيس كل أربع سنوات، ويُنتخب ثلث أعضاء مجلس الشيوخ كل سنتين. وفي ظل بنية السلطة هذه، قد تتغير السياسة الخارجية للولايات المتحدة جذرياً بوصول رئيس جديد يمكنه العودة إلى نهج المواجهة مع موسكو. وعلى النقيض، تتسم الصين الشيوعية وروسيا بوتين بهيكل سلطة رأسي صارم يعزز الثقة بين الزعيمين. كما أن نهج الحزب الشيوعي الصيني أكثر استقراراً بكثير. ومع بدء الولاية الثالثة غير المسبوقة لشي جين بينغ رئيساً للدولة، تتأكد نظرة بوتين إلى الصين بوصفها شريكاً أكثر موثوقية (بما في ذلك في مواجهة النفوذ الأمريكي)، إذ يميل زعيمها أيضاً إلى مركزية السلطة والاستئثار بها في البلاد.
سيتطلب تقارب محتمل مع روسيا تنازلات كبيرة من الولايات المتحدة: رفعاً جزئياً للعقوبات، وقيوداً على المساعدات العسكرية لأوكرانيا، والاعتراف بـ«الوضع الروسي» لشبه جزيرة القرم، وصولاً إلى استعادة حدود حلف الناتو لعام 1997 (وهو ما كانت روسيا تطالب به حتى قبل الغزو الشامل بوصفه ضمانات أمنية)، حين لم يكن التحالف يضم بعد دول أوروبا الوسطى. وسيعني ذلك اعترافاً فعلياً بمجال النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية. غير أن هذه التنازلات لا تكفي لإرضاء مطالب روسيا و«إبعادها» عن الصين.
أولاً وقبل كل شيء، لا تأخذ هذه التنازلات في الاعتبار الطبيعة العميقة للشراكة الاستراتيجية الصينية-الروسية، القائمة على الرغبة في إعادة تشكيل النظام الدولي الذي لعبت الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في بنائه. وبإطلاقها غزواً شاملاً لأوكرانيا، أظهرت روسيا بصورة حاسمة رغبتها في تغيير ميزان القوى على الساحة الدولية، حيث تدعمها جمهورية الصين الشعبية بنشاط، مانحةً روسيا الثقة في مواصلة سياستها. ويتوافق التعاون الصيني-الروسي تماماً مع مصالح البلدين في سعيهما إلى تقويض ما يعدّانه نفوذاً مفرطاً للولايات المتحدة. وإضافة إلى ذلك، فإن سوق الطاقة الصينية أساسية لروسيا، ويفرض مستوى التعاون العسكري وحجم إمدادات السلع مزدوجة الاستخدام على روسيا البقاء قريبة من بكين.
وقد يُنظر إلى هذا التودد إلى روسيا من قبل أطراف أخرى على أنه ضعف للولايات المتحدة والغرب عموماً، ما يزيد خطر اتخاذ بكين إجراءات عدوانية ضد تايوان، ويشجع روسيا على اختبار قوة حلف الناتو، ويدفع أطرافاً محلية أخرى إلى مقاومة النفوذ الأمريكي في مناطقها.
علاوة على ذلك، ستدمر هذه السياسة الثقة في الولايات المتحدة بوصفها شريكاً أمنياً موثوقاً، سواء للعالم بأسره أو لحلفائها. وبالنسبة إلى أعضاء حلف الناتو، وكذلك الشركاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ستُفهم التنازلات لروسيا على أنها استعداد الولايات المتحدة لمقايضة أمن الآخرين بمكاسب استراتيجية وهمية. وهذا بدوره سيثير مخاوف حلفاء الولايات المتحدة بشأن استعداد الولايات المتحدة وقدرتها على الدفاع عن أمنهم في مواجهة التهديدات الخارجية، ويقوّض الوحدة عبر الأطلسي، وقد يؤدي حتى إلى فرض قيود على التعاون (مثل وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية أو رفض إتاحة الوصول إلى القواعد العسكرية الأجنبية للقوات العسكرية التابعة للولايات المتحدة).
وعلاوة على ذلك، قد يدفع التوصل إلى تسويات كبيرة مع موسكو حلفاء الولايات المتحدة إلى الاعتقاد بأن روسيا قادرة على متابعة أهدافها العدوانية ومستعدة لإنفاق موارد كبيرة لتحقيقها. وتُضعف هذه الإشارة الثقة في ثبات دعم الولايات المتحدة، وتشجع الشركاء على إعادة تقييم توجهاتهم الاستراتيجية. ونتيجة لذلك، قد يسهم ذلك في الميل إلى سياسة أكثر مرونة تجاه موسكو وبكين، حتى لو كانت هذه السياسة مخالفة لمصالح الولايات المتحدة.
إن استبدال تحالفات مجرّبة عبر الزمن بمحاولة إقامة تعاون مع روسيا، التي تتسم بعدم الاستقرار وعدم القدرة على التنبؤ، ليس بالتأكيد سياسة واقعية على نهج كيسنجر. فعلى مدى عقود، استند نظام تحالفات الولايات المتحدة إلى الثقة والالتزامات التي صمدت أمام اختبار الزمن: فقد ضمن حلف الناتو أمن أوروبا، بينما ضمنت التحالفات مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا الاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وبدلاً من ذلك، تخاطر الولايات المتحدة بتقويض ثقة من دعموا الاستقرار الدولي لعقود.
إن فكرة أن روسيا قادرة على أن تحل محل شريك في هذا النظام أو حتى أن تصبح شريكاً بديلاً تتناقض مع الوقائع المتاحة. فقد أثبت الاتحاد الروسي مراراً أنه طرف غير مستقر: ضم شبه جزيرة القرم، والحرب ضد أوكرانيا، والابتزاز النووي — كل ذلك أظهر دور روسيا كعامل مزعزع لاستقرار النظام الدولي. وعلاوة على ذلك، حتى الدول التي تُعد رسمياً «حليفة» لها لا تتلقى منها دعماً كافياً. ولم تقدم موسكو مساعدة كبيرة لإيران خلال هجوم الولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية، رغم توقعات الجانب الإيراني، ولا لأرمينيا، العضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)، في الجولة الجديدة من النزاع مع أذربيجان.
لذلك، يبدو التركيز على روسيا بوصفها شريكاً استراتيجياً محتملاً بلا أساس وقصير النظر، إذ يقوّض المبادئ الأساسية للعلاقات التحالفية المثبتة، ويتجاهل الدور التخريبي لموسكو في النظام الدولي، وينطوي على إرضاء طموحاتها الجيوسياسية على حساب مصالح الولايات المتحدة. وقد توجه هذه الاستراتيجية ضربة كبيرة إلى المكانة الدولية للولايات المتحدة بوصفها فاعلاً عالمياً مؤثراً، فتؤدي إلى تراجع تدريجي لدورها على الساحة العالمية وتحدّ بدرجة كبيرة من قدرتها على التأثير في سلوك الدول الأخرى لتحقيق مصالحها الوطنية.
في البيئة الراهنة، يُعد «كيسنجر المعكوس» استراتيجية محفوفة بالمخاطر، عالية الكلفة، وضئيلة فرص النجاح. فالاتحاد الروسي وجمهورية الصين الشعبية لا توحدهما ظروف مؤقتة، بل رؤية مشتركة لنظام عالمي من دون هيمنة الولايات المتحدة. وفي المقابل، لا تستطيع الولايات المتحدة أن تحل محل الصين في تقديم دعم لروسيا بهذا المستوى، مما يجعل التقارب الروسي-الأمريكي غير مجدٍ لكل من روسيا والولايات المتحدة. لذلك، فإن مبادلة حلفاء راسخين بشريك غير مستقر وغير موثوق ليست مظهراً من مظاهر البراغماتية، بل وهماً خطيراً يتجاهل حقائق القرن الحادي والعشرين.
إن الآراء والأفكار والمواقف المعبر عنها في الأوراق المنشورة على هذا الموقع تخص المؤلفين وحدهم، ولا تعكس بالضرورة آراء مركز الحوار عبر الأطلسي أو لجانه أو منظماته التابعة. وتهدف هذه الأوراق إلى تحفيز الحوار والنقاش، ولا تمثل مواقف سياسية رسمية لمركز الحوار عبر الأطلسي أو لأي منظمات أخرى قد يكون المؤلفون مرتبطين بها.
أُعد هذا المنشور بدعم من مؤسسة النهضة الدولية. ويتحمل المؤلفون وحدهم المسؤولية عن محتواه، ولا يعكس بالضرورة آراء مؤسسة النهضة الدولية.
تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.