Cover image for: Ungewisse Grenzen: Wird die NATO auf die anhaltenden Bedrohungen Russlands reagieren?

حدود غير مؤكدة: هل سيرد حلف الناتو على تهديدات روسيا المتواصلة؟

Clock Icon 15 دقائق للقراءة
By Kateryna Rassolova
فبراير 6, 2025

المحتويات

2 MB

أبرز الاستنتاجات

  • الحرب الهجينة الروسية: تستخدم موسكو تكتيكات هجينة، بما فيها التخريب والهجمات السيبرانية وانتهاكات المجال الجوي، لاختبار عزيمة حلف الناتو مع تفادي الصراع العلني.
  • انتهاكات متكررة للمجال الجوي: تبرهن حوادث مثل تحطم الطائرات المسيّرة في رومانيا ولاتفيا وبولندا على استفزازات روسية مستمرة.
  • عمليات التخريب: تؤكد اضطرابات الكابلات البحرية وحرائق المصانع والهجمات السيبرانية على أعضاء حلف الناتو قدرة روسيا على زعزعة الاستقرار بوسائل غير تقليدية.
  • غموض المادة 5: آلية الدفاع الجماعي لحلف الناتو غير واضحة عند التعامل مع التهديدات الهجينة.
  • استعداد الدول الأعضاء: تتخذ بعض الدول بالفعل خطوات لتعزيز دفاعاتها، بما يشمل زيادة الإنفاق العسكري والأطر القانونية لمواجهة انتهاكات المجال الجوي.
  • استجابات متشرذمة: إن غياب استراتيجية موحدة لحلف الناتو، الذي يفاقمه تردد دونالد ترامب إزاء الدفاع الجماعي، يلقي العبء على الدول الأعضاء منفردة ويثير القلق بشأن مصداقية الحلف وقدراته الردعية طويلة الأمد.
Cover image for: Uncertain Boundaries: Will NATO Respond to Russia’s Consistent Threats?

في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2024، رُصد جسم طائر مجهول فوق رومانيا. وفي الليلة نفسها، تعرضت أوكرانيا لهجوم روسي آخر، إذ أطلقت موسكو نحو 98 طائرة مسيّرة وستة صواريخ في محاولة لإضعاف البنية التحتية الحيوية في كييف. وجاء هذا الحادث بعد يوم واحد فقط من واقعة مماثلة في 18 أكتوبر/تشرين الأول، حين رُصدت أهداف في المجال الجوي الروماني خلال هجوم روسي آخر. ورغم أن هذه الأجسام تختفي عادةً من شاشات الرادار قبل أن تتمكن القوات الرومانية من تحديد مصدرها، فإن وقائع الحرب الروسية الأوكرانية الدائرة على الجانب الآخر من الحدود مباشرة تشير إلى أنها تابعة لموسكو على الأرجح.

وهذا مجرد مثال واحد من أمثلة كثيرة تخص رومانيا وغيرها من الدول الأعضاء في حلف الناتو. فقد شوهدت أجسام طائرة مشبوهة فوق ألمانيا، وتحطمت في لاتفيا مركبة جوية أُفيد بأنها روسية، وانتهكت مروحيتان بيلاروسيتان المجال الجوي البولندي. ورغم أن كثيراً من هذه الحوادث يُستهان به باعتباره «غير متعمد»، فإنها إشارة إنذار إلى أن التهديد الروسي لحلف الناتو قد يكون أخطر مما يُعتقد عموماً.

تُعد مواجهة التهديدات الأمنية ركيزة من ركائز منظمة حلف شمال الأطلسي، وتتضمن معاهدتها التأسيسية آلية لدعم ذلك، وهي المادة 5. لكن مع محدودية مناسبات تفعيلها والمخاوف من تصعيد الحرب الروسية الأوكرانية، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستُفعَّل إذا امتد الصراع خارج الحدود الأوكرانية، وما إذا كان أعضاء حلف الناتو يعتقدون أصلاً بوجوب ذلك. وعلاوة على ذلك، تثار في عصر تتحدى فيه التهديدات الهجينة بصورة متزايدة المفاهيم الأمنية التقليدية، تساؤلات حول استعداد حلف الناتو لمواجهتها. يهدف هذا المقال إلى تحليل ما تعنيه المادة 5 تحديداً، والحالات التي يمكن تطبيقها فيها، وما إذا كانت كافية للتصدي للتهديدات الهجينة بفاعلية، وكيف تتعامل الدول الأعضاء مع احتمال تفعيل هذه الآلية ضد موسكو.

هل تهدد روسيا حلف الناتو؟

سيكون من الخطأ الادعاء بأن الحرب الروسية الأوكرانية محصورة تماماً داخل الحدود الأوكرانية. فعلى الرغم من عدم وقوع هجوم مسلح مباشر على أراضي حلف الناتو، يشير تقرير أعدّه موظفو لجنة هلسنكي التابعة للولايات المتحدة إلى أن روسيا تشن «حرب ظل سرية» على الحلف منذ 2022.

في مايو/أيار 2022، ادعى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن حلف الناتو يشن «حرباً هجينة شاملة» على روسيا، مشبهاً ظاهرياً الدعم القوي لأوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا بعمليات الحرب الهجينة. ومن الواضح أن موسكو قررت الرد على ما يُسمى «الحرب الهجينة الشاملة» بحرب هجينة فعلية خاصة بها في أنحاء المنطقة الأوروبية الأطلسية (انظر الشكل 1).

Cover image for: Uncertain Boundaries: Will NATO Respond to Russia’s Consistent Threats?
الشكل 1. توضيح غير شامل للعمليات الهجينة الروسية المشتبه بها والمنسوبة إليها في أراضي حلف الناتو من فبراير/شباط 2022 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2024. المصدر: لجنة الأمن والتعاون في أوروبا

يفيد التقرير بوجود عدد كبير من العمليات ضد الدول الأعضاء في حلف الناتو المنسوبة إلى روسيا منذ 2022. وكان نحو ثلثها حملات انتخابية وإعلامية، وثلث آخر هجمات على البنية التحتية الحيوية. وكانت عملية واحدة من كل عشر حملات هجرة مُسيَّسة (أي أزمة حدود مصطنعة)، وواحدة من كل خمس حملات عنف (أي أعمال تخريب أو إرهاب) (انظر الشكل 2). وتتراوح الهجمات من كتابات معادية للسامية على الجدران في فرنسا وتعطيل إشارات GPS من كالينينغراد إلى هجوم ببرمجيات الفدية عطّل آلاف الصيدليات في الولايات المتحدة ومحاولة عملاء روس أو بيلاروسيين تفجير مصنع للدهانات في جنوب غرب بولندا.

Cover image for: Uncertain Boundaries: Will NATO Respond to Russia’s Consistent Threats?
الشكل 2. النسبة المئوية للعمليات الهجينة الروسية المشتبه بها والمنسوبة إليها في 4 فئات رئيسية من فبراير/شباط 2022 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2024. المصدر: لجنة الأمن والتعاون في أوروبا

يُشتبه أيضاً في وقوف روسيا وراء بعض حملات التخريب الخطيرة. وتشمل هذه حريقاً في مصنع ألماني تابع لشركة Diehl المصنعة للدفاع في برلين في يونيو/حزيران 2024، وحريقاً في أحد أكبر مراكز التسوق في وارسو في مايو/أيار 2024. وعلاوة على ذلك، تضرر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 كابل الاتصالات بين ليتوانيا والسويد، ما خفّض عرض نطاق الإنترنت في المنطقة بمقدار الثلث. وفي الوقت نفسه، انقطع نقل البيانات بين فنلندا وألمانيا تماماً بسبب قطع مماثل في كابل. وكان ذلك الكابل الوصلة المباشرة الوحيدة من نوعها بين فنلندا وأوروبا الوسطى، ويمتد بمحاذاة بنية تحتية بحرية حيوية أخرى، بما فيها خطوط أنابيب الغاز وكابلات الكهرباء. ووقع الحادثان بعد أسابيع قليلة فقط من إبلاغ الولايات المتحدة عن زيادة النشاط العسكري الروسي حول الكابلات البحرية الرئيسية.

إلى جانب التهديدات غير التقليدية، يُشتبه أيضاً في أن روسيا، وأحياناً بيلاروسيا، تنتهك مباشرة المجال الجوي للدول الأعضاء في حلف الناتو. وتشمل بعض الحالات الوقائع المذكورة أعلاه في رومانيا (حيث لم تدخل أجواءها أجسام طائرة مجهولة فحسب، بل وأخرى حُددت على أنها روسية، بما في ذلك تحطم حطام طائرة مسيّرة في مقاطعة تولتشا)، وألمانيا، ولاتفيا. ويمكن ذكر وقائع أخرى أكثر إثارة للريبة، مثل حادثة سبتمبر/أيلول 2024 في مطار ستوكهولم أرلاندا بالسويد. إذ تداخلت طائرات مسيّرة مجهولة مع عمل المرفق، ما اضطر الطائرات الموجهة إليه إلى تغيير مسارها والهبوط في مطارات أخرى. وعلقت الشرطة السويدية بأن هذا الفعل قد يكون متعمداً، رغم أنها «لا تستطيع الإجابة عن الغرض».  لم تتمكن السويد من تحديد الجسم الطائر الذي كانت تتعامل معه، مما جعل اتخاذ إجراءات ملموسة أمراً إشكالياً. لكن أجهزة الاستخبارات الألمانية تشتبه في أن الطائرات المسيّرة كانت من طراز Orlan-10 الروسي، فيما ذهبت لاتفيا إلى حد تحديد أن الجسم في أجوائها كان طائرة مسيّرة من طراز Shahed 136.

وكأن ذلك لم يكن كافياً، تمتد الحوادث إلى أبعد من ذلك. ففي مارس/آذار 2022، حلقت طائرة مسيّرة من الحقبة السوفيتية، تبيّن لاحقاً أنها طائرة استطلاع TU-141 تحمل متفجرات، فوق رومانيا والمجر من دون أي رد فعل من القوات المحلية، وتحطمت في كرواتيا. ولم يُؤكَّد قط أن الطائرة روسية. ووفقاً للمحققين، كانت على جناحها نجمة حمراء مطلية بالأزرق والأصفر، وهما لونا العلم الأوكراني. وبعد عدة أشهر، في ديسمبر/كانون الأول 2022، ادعت السلطات الكرواتية والرومانية والمجرية أنها تعرف من أطلق تلك الطائرة المسيّرة، لكن المعلومات صُنفت سراً من أسرار الدولة.

لا تنفذ موسكو مثل هذه الاستفزازات سراً فحسب. في الآونة الأخيرة، أصبحت صريحة جداً في تهديداتها لحلف الناتو. ففي 16 ديسمبر/كانون الأول 2024، قال وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف لوزارة الدفاع في اجتماع مشترك مع الرئيس فلاديمير بوتين إن «وزارة الدفاع الروسية يجب أن تكون مستعدة لأي تطور في الأحداث، بما في ذلك احتمال نشوب صراع عسكري مع حلف الناتو في أوروبا خلال العقد المقبل. وفي الاجتماع نفسه، ادعى بوتين أن الولايات المتحدة، بما لديها من «أسلحة وأموال» التي تستخدمها في «ضخ الدعم في النظام الحاكم غير الشرعي بحكم الأمر الواقع في كييف»، تدفع روسيا «إلى الخط الأحمر الذي لم يعد بوسعنا نحن [روسيا] التراجع بعده.’

Cover image for: Uncertain Boundaries: Will NATO Respond to Russia’s Consistent Threats?
قال أندريه بيلوسوف: «يجب أن تكون وزارة الدفاع الروسية مستعدة لأي تطور في الأحداث، بما في ذلك احتمال نشوب صراع عسكري مع حلف الناتو في أوروبا خلال العقد المقبل». | صورة صحفية مشتركة بعدسة غريغوري سيوسيف/Sputnik/EPA-EFE. المصدر: POLITICO

المحتويات

ربما لم تشن روسيا صراحة هجوماً مسلحاً على أراضي دول حلف الناتو أو قواتها. وهذه خطوة ذكية، إذ يصعب في نهاية المطاف تحديد ما إذا كانت هذه الاستفزازات تندرج مباشرة في إطار المادة 5. لكن نطاق الحوادث ومداه واسعان إلى درجة لا يمكن معها تجاهل الخطر الذي تنطوي عليه. من خلال أنشطة التخريب هذه، يبدو أن روسيا تختبر حلف الناتو. وللأسف، ما دامت موسكو لا تتلقى رداً حازماً وحاسماً، فقد تعتبر ذلك ضوءاً أخضر للمضي أبعد. وقد تهدف عملياتها الآن إلى إحداث الارتباك وإظهار مدى ما يمكن أن تبلغه قوتها ونفوذها. لكنها قد تهاجم حلف الناتو في نهاية المطاف بصورة أكثر مباشرة، بعد أن تتيقن من أن لا أحد يقاوم.

استكشاف المادة 5: هل ستكون كافية لصد الهجوم؟

تشتهر المادة 5 بغموضها الناشئ من نص المعاهدة نفسه. وجاء في أشهر أجزاء المادة: «تتفق الأطراف على أن أي هجوم مسلح ضد طرف أو أكثر منها في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعد هجوماً ضدها جميعاً…». لكن الجزء الأهم يأتي بعد ذلك: «…وبناء على ذلك، تتفق على أنه إذا وقع مثل هذا الهجوم المسلح، فإن كلاً منها، في ممارسة حق الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس المعترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، سيساعد الطرف أو الأطراف التي تعرضت للهجوم باتخاذ فوراً، بصورة منفردة وبالاشتراك مع الأطراف الأخرى، ما يراه ضرورياً من إجراءات، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لاستعادة أمن منطقة شمال الأطلسي والحفاظ عليه». لذلك، لا تُلزم المادة 5 أي دولة عضو بنشر قواتها المسلحة والرد فوراً. وعلى النقيض، لا تلتزم الدول إلا بـ«مساعدة» الطرف أو الأطراف التي تعرضت للهجوم. ويعود إلى الدول الأعضاء تحديد شكل هذه المساعدة، وبما أن المعاهدة لا تقدم قائمة دقيقة، فقد يعني ذلك ببساطة فرض عقوبات اقتصادية على المعتدي.

أُدرج هذا القدر من الغموض في المعاهدة التأسيسية عن قصد. فعندما ناقش المفاوضون نص الوثيقة في 1948-1949، كانت الولايات المتحدة مترددة في الالتزام بأي واجبات عسكرية. وفي ذلك الوقت، كان كثير من الأمريكيين لا يزالون يؤيدون الانعزالية، أي عدم التدخل في الشؤون الأوروبية.

إضافة إلى ذلك، توضح المادة 6 المادة 5 أكثر. فهيتنص, ‘لأغراض المادة 5، يُعتبر الهجوم المسلح على طرف أو أكثر من الأطرافمتضمناًهجوماً مسلحاً:

  • على إقليم أي من الأطراف في أوروبا أو أمريكا الشمالية، أو على المقاطعات الجزائرية التابعة لفرنسا 2، أو على إقليم تركيا أو الجزر الخاضعة لولاية أي من الأطراف في منطقة شمال الأطلسي شمال مدار السرطان؛
  • علىقوات أو سفن أو طائراتتابعة لأي من الأطراف، عندما تكونفي هذه الأقاليم أو فوقهاأو في أي منطقة أخرى في أوروبا كانت قوات احتلال تابعة لأي من الأطراف متمركزة فيها يوم دخول المعاهدة حيز النفاذ، أو في البحر المتوسط أو منطقة شمال الأطلسي شمال مدار السرطان».

لذلك، لا تُفعَّل آلية الدفاع الجماعي إلا عندما يقع الهجوم المسلح تحديداً على إقليم إحدى الدول الأعضاء أو قواتها أو سفنها أو طائراتها. واستناداً إلى هذه الصياغة، فإن مجرد انتهاك الطائرات المسيّرة الروسية المجال الجوي للدول الأعضاء لا يندرج ضمن أي من هذه الفئات.

المادتان 4 و5 في التطبيق

ومن الجدير بالذكر أيضاً المادة 4، التي تنص على أن «تتشاور الأطراف معاً كلما رأت أي منها أن السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي أو أمن أي من الأطراف مهدد». وهي تمنح، في جوهرها، أي دولة عضو الحق في تفعيل هذه المادة رسمياً عبر طرح أي قضية أمنية تراها مثيرة للقلق على طاولة النقاش، وتشجيع الأطراف الأخرى على التشاور.

وبخلاف المادة 5، لا تقتضي المادة 4 أي التزامات سوى ضرورة المشاركة في المناقشات. ولعل هذا هو سبب وجود سبع حالات بالفعل لتفعيلها منذ بداية القرن الحادي والعشرين. جاءت خمس منها من تركيا، وبدأت بولندا واحدة في 2014 نتيجة بدء روسيا حرباً ضد أوكرانيا، بينما نتجت أخرى عن طلب مشترك من بلغاريا وتشيكيا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا في 24 فبراير/شباط 2022، إذ كانت هذه الدول قلقة من الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا.

في حالتين تخصان تركيا، انتهت المشاورات بموافقة حلف الناتو على تدابير دفاعية معينة، هما «Operation Display Deterrence» في 2003 ونشر صواريخ Patriot في 2012. ومن اللافت أن سبب حالة 2003 كان الحرب في العراق المجاور، وسبب حالة 2012 مقتل خمسة سكان أتراك في بلدة أكجا قلعة الحدودية جراء قذائف سورية.

وهذا يوحي بأن المادة 4 أكثر غموضاً من المادة 5. لذلك، يعتمد الكثير هنا على الإرادة السياسية للدول الأعضاء وتفسيرها لما يشكل تهديداً للأمن. بعد وقوع حادث مشابه إلى حد كبير في بولندا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، استبعد الرئيس البولندي آنذاك أندجي دودا إمكانية تفعيل المادة 4. وتعزز هذا الرأي بنتائج التحقيق التي أشارت إلى أن الصاروخ الذي قتل مواطنين بولنديين لم يكن روسياً بل تابعاً للدفاع الجوي الأوكراني. وأضاف دودا: «لا يوجد شيء، لا شيء على الإطلاق، يشير إلى أنه كان هجوماً متعمداً على بولندا».

في المقابل، لم تُفعَّل المادة 5 سوى مرة واحدة. وقُدم طلب تفعيلها بالإجماع بعد أقل من 24 ساعة على هجمات القاعدة الإرهابية ضد الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/أيلول 2001. ولم يتخذ حلف الناتو قراراً فوراً، بل انتظر أولاً لتحديد أن الهجمات جاءت من الخارج وتندرج في إطار المادة 5.

في أكتوبر/تشرين الأول، وبعد اكتمال التحقيق وتفعيل الآلية، وافق حلف الناتو على حزمة تدابير دفاعية شملت عمليتين عسكريتين. لكن نظرة أدق إلى الحالة توضح جيداً غياب الالتزامات الجوهرية بموجب المادة 5. ففي عملية Eagle Assist، تألف طاقم قوامه 830 فرداً من أفراد من 13 دولة في حلف الناتو، بينما بلغ إجمالي عدد الدول الأعضاء في 2001 تسع عشرة دولة. لذلك، لم ترسل بعض الدول الأعضاء قوات، ولم تكن ملزمة بذلك. بعد ذلك، من المهم النظر إلى أن المرة الوحيدة التي فُعّلت فيها آلية الدفاع الجماعي كانت حين تعرض أقوى أعضائها وأكثرهم نفوذاً للخطر. وهذا يوحي بأن مثل هذه الخطوة الضخمة سياسية إلى حد بعيد، ومن ثم لا يمكن أن تحدث إلا إذا كانت ضمن المصالح الوطنية لدول الحلف.

استجابة حلف الناتو للتهديد الروسي: هل يضع المادة 5 في الحسبان؟

Cover image for: Uncertain Boundaries: Will NATO Respond to Russia’s Consistent Threats?

منذ 2014، يعترف حلف الناتو بروسيا باعتبارها تهديداً رئيسياً لأمنه، في تحول دراماتيكي عن مفهومه الاستراتيجي لعام 2010 الذي شدد على التعاون مع موسكو. وقد نجم هذا التغيير عن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وحربها العدوانية ضد أوكرانيا. ويقر المفهوم الاستراتيجي لعام 2022 بأن روسيا هي «التهديد الأهم والأكثر مباشرة» للأمن الأوروبي الأطلسي، مسلطاً الضوء على استخدامها التكتيكات التقليدية والسيبرانية والهجينة، فضلاً عن تجاهلها الاتفاقات الدولية. وعلى الرغم من ذلك، يكرر حلف الناتو التزامه بالحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع روسيا لإدارة المخاطر ومنع التصعيد وزيادة الشفافية.

ليس واضحاً إلى أي «قنوات اتصال» يشير المفهوم. فقد تكون مفاوضات ومعاهدات سلام، لكن المشكلة هي أن روسيا انتهكت حتى الآن غالبية المعاهدات الدولية التي وقعت عليها. وبوجه خاص، تجاهلت موسكو اتفاقات مينسك عندما قصفت مراراً منطقتي دونيتسك ولوهانسك، إذ كانت قد انتهكت بالفعل أكثر من 4000 مرة في 2015. وتجاهلت اتفاقيات جنيف عندما ارتكبت القوات المسلحة الروسية جرائم حرب لا حصر لها في الحرب ضد أوكرانيا. وفي 2008، عند التفاوض على وقف إطلاق النار في الحرب ضد جورجيا، وعدت روسيا بسحب قواتها إلى مواقع ما قبل الحرب، لكنها أخفقت في الوفاء بهذا الوعد. ولا يترك هذا التوجه مجالاً كبيراً للتفاؤل بشأن الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع موسكو.

ومن ناحية أخرى، مع مرور عامين ونصف من دون أن تتوقف الحرب الروسية الأوكرانية، أخذت لهجة قادة حلف الناتو تزداد تشاؤماً. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، الأمين العام لحلف الناتو مارك روتهقالإن الوقت قد حان لـ«التحول إلى عقلية زمن الحرب»لأن موسكو «تستعد لمواجهة طويلة الأمد مع أوكرانيا ومعنا»، وإن الدول الأعضاء «ليست مستعدة لما هو قادم في طريقها خلال أربع إلى خمس سنوات.» وأراد بهذا التحذير التأكيد على أن الحلف يحتاج إلى زيادة إنفاقه الدفاعي بدرجة كبيرة، لأن حتى مستوى 2% غير كافٍ. وحتى الآن، لم تحقق ثماني دول ذلك الهدف، وهي كرواتيا والبرتغال وإيطاليا وكندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وسلوفينيا وإسبانيا (انظر الشكل 3).

Cover image for: Uncertain Boundaries: Will NATO Respond to Russia’s Consistent Threats?
الشكل 3. الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (%). استناداً إلى أسعار عام 2015 وأسعار الصرف فيه. ملاحظة: أرقام 2024 تقديرات. المصدر: حلف الناتو

في يونيو/حزيران 2024، ذهب وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إلى حد الإقرار باحتمال أن تهاجم روسيا حلف الناتو. وأشار إلى أن الهجوم الروسي غير مرجح «في الوقت الراهن»، لكن الخبراء «يتوقعون فترة من خمس إلى ثماني سنوات يمكن أن يصبح فيها ذلك ممكناً». وأشار إلى أن سيناريو 2022 بدا مستحيلاً للغرب من قبل، لكن «روسيا تتحدى المنطق ، ولذلك عليهم «الاستعداد لأي سيناريو.»

أخيراً، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تحدث رئيس جهاز الاستخبارات الفيدرالي الألماني برونو كال في فعالية لمركز الأبحاث DGAP في برلين، وقال إن من المرجح أن تصعّد روسيا عملياتها الهجينة واعتبر تفعيل المادة 5 رداً عليها احتمالاً قائماً. وأوضح قائلاً: «إن الاستخدام الواسع للتدابير الهجينة من جانب روسيا يزيد خطر أن ينظر حلف الناتو في نهاية المطاف في تفعيل بند الدفاع المتبادل الوارد في مادته 5. وفي الوقت نفسه، يعني التعزيز المتزايد للقدرات العسكرية الروسية أن مواجهة عسكرية مباشرة مع حلف الناتو تصبح أحد الخيارات الممكنة للكرملين.»

وبرأيه، إذا هاجمت روسيا دولة واحدة أو عدة دول في حلف الناتو، فمن غير المرجح أن تحتل مساحة كبيرة من الأراضي، بل كان يعتقد أنها ستقوم بـ اختبار الخطوط الحمراء التي رسمها الغرب. وفي جوهر الأمر، هذا ما تفعله روسيا حتى الآن وما رد عليه الغرب بحذر؛ فهل ستُفعّل المادة 5 فعلاً في حال وقوع هجوم مباشر وعلني ومسلح؟ وادعى رئيس الاستخبارات أن مسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الدفاع الروسية يشككون في ذلك. وينبغي أن تكون هذه إشارة مقلقة للحلف: إذا لم يعزز دفاعه ويُظهر الصمود الآن، فستواصل روسيا إضعاف الأمن الأوروبي الأطلسي.

استعداد الدول الأعضاء منفردة لهجوم روسي

انتشر الخوف من هجوم روسي محتمل على حلف الناتو بين مسؤولين آخرين أيضاً. ففي يناير/كانون الثاني 2024، صرح رئيس الدفاع السويدي ميخائيل بيدن بأن على جميع السويديين الاستعداد نفسياً للصراع. وفي بريطانيا، حث رئيس الجيش آنذاك، الجنرال باتريك ساندرز، السكان البريطانيين على الاستعداد لمستوى من التعبئة لم يُشهد منذ الحرب العالمية الثانية، رغم أن رئيسه انتقده لاحقاً بسبب هذا التصريح الجريء. وفي ألمانيا، اعتقد مسؤولون أن موسكو قد تطلق صواريخ على دول حلف الناتو. ولهذا السبب، دعا حلف الناتو الحلفاء إلى ربط التخطيط العسكري بالتخطيط المدني. وشرح الأميرال روب باور من البحرية الملكية الهولندية، رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو، قائلاً، «للمؤسسات المالية دور تؤديه. وللقطاع الصناعي دور يؤديه. نحتاج إلى البنية التحتية المناسبة في دولنا لنقل المعدات العسكرية عبر الطرق والجسور. يجب أن يكون الجسر قادراً على حمل دبابة.» وفوق ذلك، سيتعين على حلف الناتو أيضاً حل معضلة تنظيم حركة المرور على الطرق وشبكات النقل في زمن الحرب، إذا تحركت أعداد هائلة من الناس غرباً فيما تحركت الدبابات وقطارات الإمداد اللوجستي شرقاً.

في سياق انتهاك الطائرات المسيّرة الروسية المجال الجوي لحلف الناتو، شدد الجنرال جيمس هيكر، قائد القوات الجوية للولايات المتحدة في أوروبا والقيادة الجوية المتحالفة لحلف الناتو، على الحاجة إلى أنظمة أفضل للدفاع الجوي والصاروخي؛ فهو يعتقد أن مزيداً من هذه الاختراقات سيحدث في المستقبل. ومع ذلك، تباين رد فعل الدول الأعضاء حتى الآن على حوادث انتهاك المجال الجوي التي لا حصر لها تبايناً صارخاً مع الدعوات المذكورة أعلاه إلى تعزيز الأمن في مواجهة التهديد الروسي.

لم يعترف ضحايا هذه الانتهاكات علناً ولو مرة واحدة بأن الحوادث كانت متعمدة. وأُخفيت الدولة المسؤولة عن تحطم الطائرة المسيّرة في كرواتيا في أبريل/نيسان 2022. كما لم تكن حادثة أغسطس/آب 2023، عندما حلقت مروحيات بيلاروسية فوق بولندا، كافية لماثيو ميلر، المتحدث باسم وزارة خارجية الولايات المتحدة، ليقول إن الحلف مستعد لتفعيل المادة 5. وحتى لاتفيا، رغم كشفها علناً أن الطائرة المسيّرة في أجوائها روسية، هوّنت رسمياً من الحدث. وقال وزير الدفاع إنه لا يمكن اعتباره «تصعيداً عسكرياً علنياً»، وأكد أن لاتفيا لم تكن الهدف المقصود للطائرة المسيّرة.

أما رومانيا، فقد تكون أكثر حسماً، إذ أبلغت عن الحوادث بوصفها انتهاكات للقانون الدولي. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، سارعت إلى إقلاع مقاتلتين من طراز F-16 ومقاتلتين إسبانيتين من طراز F-18 تُستخدمان لمهام الشرطة الجوية. ودعا روته رومانيا إلى «الرد سريعاً وبفاعلية» على انتهاكات مجالها الجوي، مشدداً على أن الدفاع الجوي يظل أولوية للحلف. وفي إحدى المرات، طاردت مقاتلات حلف الناتو حتى طائرة Shahed المسيّرة فوق رومانيا.

Cover image for: Uncertain Boundaries: Will NATO Respond to Russia’s Consistent Threats?
يتفقد جنود كرواتيون موقع تحطم طائرة مسيّرة عسكرية في زغرب، كرواتيا، 11 مارس/آذار 2022. وأكدت وزارة الدفاع الكرواتية تحطم طائرة مسيّرة عسكرية مجهولة في وسط زغرب في 11 مارس/آذار. الصورة: EPA-EFE/ANTONIO BAT. المصدر: Balkan Insight

ذكرت السلطات الرومانية في البداية أنها لا تستطيع إسقاط الطائرات المسيّرة مباشرة لأن القانون الروماني يحظر ذلك. وجاء الوعد بالتغيير في ديسمبر/كانون الأول 2024، حين وافقت بوخارست على مشروعي قانونين يضعان بروتوكولات للتعامل مع الأجسام الأجنبية الداخلة مجالها الجوي في وقت السلم وإسقاطها. لكن لا يزال يتعين أن يصوّت عليهما البرلمان وأن يصدرهما الرئيس لكي يدخلا حيز التنفيذ.

أظهرت بولندا في الآونة الأخيرة حَزماً أكبر تجاه روسيا أيضاً. وحتى إن استبعد ميلر إمكان تفعيل المادة 5 بعد حادثة المروحيات البيلاروسية، طلب وزير الدفاع الوطني البولندي ماريوش بلاشاك زيادة الوجود العسكري على الحدود، إلى جانب نشر قوات ومعدات إضافية مثل مروحيات الهجوم. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أدلى الجنرال البولندي بتصريح جريء جداً قال فيه إنه إذا غزت القوات الروسية ليتوانيا، فسيضرب الحلفاء، خلال «الدقيقة الأولى»، جميع الأصول الاستراتيجية الروسية الواقعة ضمن مدى 300 كيلومتر. وأعلن أنهم سوف «يضربون سانت بطرسبرغ مباشرة.’

الخلاصة

يبدو أن حلف الناتو، رغم إعلانه في المفهوم الاستراتيجي لعام 2022 أنه سيواصل الرد على التهديدات الروسية، لم يبدأ بذلك حتى. فقد أُعلنت رسمياً تقريباً كل حوادث انتهاك المجال الجوي حوادث عرضية، ربما تحت وهم أن ذلك سيساعد على تجنب التصعيد. لكن حلف الناتو، بإنكاره الصريح انطباق المادة 5، يغفل النقطة الأساسية.

ينبغي ألا يكون هم الحلفاء الرئيسي ما إذا كانت الطائرات المسيّرة الروسية تدخل مجالهم الجوي عمداً أم لا؛ بل ينبغي أن تكون حياة الناس. وقد أظهرت حالتا كرواتيا وبولندا بوضوح مدى سهولة عبور الحرب للحدود وإيقاعها خسائر في صفوف من لا يشاركون فيها رسمياً. وإن استمرار تحليق الطائرات المسيّرة الروسية فوق رؤوس مسؤولي حلف الناتو، حتى بعدما يطمئنون الجميع بأن بولندا أو لاتفيا أو أي دولة أخرى لم تكن هدفاً، يثبت أن موسكو لا يمكن وقفها بالاسترضاء. واليوم قد تستهدف أنشطة «التخريب» و«الهجينة» مرافق محددة فقط، لكنها قد تتسبب غداً في وفيات بين السكان المحليين. ومن غير الواضح كيف سيبقى سكانها آمنين إذا استمر التقاعس الحالي.

بالنظر إلى الاستراتيجية الذكية المتمثلة في تنفيذ هذه العمليات سراً، إذا شنت روسيا هجوماً مسلحاً على حلف الناتو، فسيكون بالقدر نفسه من التخفّي. وفي هذه الحالة، ونظراً إلى خطاب المسؤولين رفيعي المستوى حتى الآن، فمن غير المرجح جداً أن يفعّل حلف الناتو بوصفه تحالفاً المادة 5. وبعد أن يتم ترامب تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني، ستتراجع الاحتمالات أكثر. وحتى الآن، كان الجمهوريون أكثر تردداً بكثير في هذا الشأن، بخلاف بايدن. وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة بلا شك قائد في الحلف، فإن هذا الخطاب غير الواضح والإحجام عن المشاركة الفعالة في الدفاع عن أوروبا يوحيان بأن احتمال تفعيل المادة 5 سيصبح أبعد مما كان عليه.

في المقابل، توحي ردود الأفعال الفردية بأن الدول المجاورة لأوكرانيا قد ترد على الهجمات المسلحة بنفسها إذا استهدفت أراضيها. فبولندا، على وجه الخصوص، تنفق نحو 4% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، بينما تتخذ رومانيا حالياً خطوات نحو القدرة على إسقاط الطائرات المسيّرة الروسية. ومع ذلك، يبقى السؤال: إلى أي مدى ستكون مستعدة للذهاب؟ هل ستدافع عن نفسها من الهجمات الروسية داخل أراضيها حصراً، أم سترد بضرب روسيا، كما أعلن الجنرال البولندي؟ ونظراً إلى بطء الولايات المتحدة في إقرار الإذن لأوكرانيا بضرب أهداف على الأراضي الروسية، فقد يكون الحصول على إذن لضرب «سانت بطرسبرغ مباشرة» بأسلحة حلف الناتو أكثر تعقيداً.


إخلاء المسؤولية: الآراء والأفكار ووجهات النظر الواردة في الأوراق المنشورة على هذا الموقع تخص المؤلفين وحدهم، ولا تعكس بالضرورة آراء مركز الحوار عبر الأطلسي أو لجانه أو منظماته التابعة. وتهدف هذه الأوراق إلى تحفيز الحوار والنقاش، ولا تمثل مواقف سياسية رسمية لمركز الحوار عبر الأطلسي أو لأي من المنظمات الأخرى التي قد يكون المؤلفون مرتبطين بها.

تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.