


دأبت المؤسسة الحاكمة الروسية على تبرير حربها ضد أوكرانيا باعتبارات مختلفة، تتراوح من تهديدات الأمن القومي ومنع هجوم محتمل على الأراضي الروسية إلى «اجتثاث النازية» من أوكرانيا. غير أن أهوال الحرب التي تشنها روسيا على جارتها تتيح فرصة لتحليل تفسير السياسة الروسية وإعادة تقييمه، وهي السياسة التي ظلت تطورها وتنفذها بإصرار على مدى العقدين الماضيين. ويُعد الفهم العميق للدوافع الكامنة وراء هذا الموقف لدى القيادة الروسية أمرًا حاسمًا عند رسم مسار العمل اللاحق تجاه روسيا.
في النظام العالمي الذي أُرسِي في أوائل عقد 1990، لم يكن الاتحاد الروسي القوة العظمى التي كان عليها سلفه، الاتحاد السوفيتي. ومع نيل كثير من الجمهوريات السوفيتية السابقة استقلالها، فقدت روسيا أراضيها، فضلًا عن نفوذها الاقتصادي والسياسي. أما البحث عن شيء جديد يشكّل مبررًا للوجود ، مقترنًا بذاكرةٍ راسخة في أذهان السكان الروس عن النفوذ والقوة اللذين تمتعت بهما دولتهم في الماضي القريب، فقد أدى إلى نشوء أفكار مراجِعة بشأن التكوين الحالي لنظام العلاقات الدولية.
كان من الواضح أن الولايات المتحدة لم تنظر إلى روسيا بوصفها خصمًا مكافئًا، ولم تكن هناك مجالات كثيرة تستطيع روسيا من خلالها موازنة ذلك. وكان الأمن والاستقرار الاستراتيجي أحد هذه المجالات، وأصبحا من الموضوعات المحورية في العلاقات الروسية الأمريكية. وإذ لاحظت روسيا أن الموضوعات المتصلة بالأمن مثمرة من حيث الاقتراب من مكانة قوة عالمية، وعجزت عن تحقيق نتائج ملموسة في مجالات أخرى، بدأت بأمننة سياستها الخارجية؛ أي إنها اعتبرت معظم القضايا المحيطة بها قضايا أمنية حتى وإن لم تكن كذلك. وقد بدا هذا النموذج جليًا في خطابات المسؤولين الروس بشأن موضوعات مثل الطاقة والاقتصاد والسياسة.
لذلك، ومن هذا المنظور، استهدفت السياسة الروسية الأخيرة تجاه أوكرانيا والقوى الغربية (أي بناء خط أنابيب نورد ستريم-2 للتلاعب بالدول الأوروبية؛ وحشد القوات عند الحدود الأوكرانية واستخدامها أداةً للضغط؛ وتوجيه إنذارات نهائية إلى القوى الغربية بشأن إعادة هيكلة نظام الأمن الأوروبي؛ فضلًا عن غزو أوكرانيا بعد فشل المفاوضات) بلوغ مكانة صانع قرار عالمي يتحدث على قدم المساواة مع القوى الكبرى.
استكمالًا للاعتبارات المذكورة أعلاه، يعتقد الروس أن لدولتهم مجال نفوذ يُفترض ألا تنتهكه أطراف أخرى. ومن الطبيعي أن تشمل «منطقة المصالح الحصرية» هذه الجمهوريات السوفيتية السابقة وأعضاء الكتلة الاشتراكية. وهذا يفسر وصف بوتين انهيار الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، إذ مهّد الطريق لابتعاد حلفاء روسيا السابقين عنها، وأسفر عن انضمام بعضهم إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
وفي ضوء ذلك، تُنظر إلى أي مؤشرات على سياسة موالية للغرب تنطوي على فقدان النفوذ السياسي الروسي بوصفها تهديدًا للمصالح الوطنية، ويتلقاها الكرملين بحساسية شديدة. وقد تجلى ذلك خلال الانتفاضات الشعبية في بيلاروس وكازاخستان، حيث دعمت روسيا بنشاط الحكومات الموالية لها؛ وفي عام 2008، حين غزت جورجيا بعد أن أعربت الأخيرة عن نيتها الانضمام إلى حلف الناتو؛ وفي أوكرانيا عام 2014، عندما أسفرت ثورة الكرامة عن إسقاط الرئيس الموالي لروسيا يانوكوفيتش، فاحتلت روسيا القرم وأشعلت الحرب في منطقة دونباس الأوكرانية. وتمثل الأعمال العدائية المتجددة والمستمرة امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج من السياسة الروسية الهادف إلى انتهاك حقوق الإنسان وتقييد سيادة الدول المستقلة التي تعدّها واقعة ضمن مجال نفوذها.
على الرغم من أن روسيا أكبر دولة في العالم وغنية بالموارد الطبيعية، فإن معظم سكانها يعيشون في ظروف متدنية للغاية. وبما أن الكرملين شديد الحرص على البقاء في السلطة، فعليه أن يخلق مظهرًا للعمليات الديمقراطية في الدولة وأن يضمن الدعم الشعبي. ولصرف الانتباه عن المشكلات التي يواجهها الروس العاديون في حياتهم اليومية، تُختلق وتُنشر طائفة واسعة من الأساطير عبر آلة الدعاية، التي تصور أعداء أجانب يبذلون قصارى جهدهم لتدمير الدولة. ومن الطبيعي أن تركز هذه الروايات في معظمها على القوى الغربية وحلف الناتو، اللذين يُنظر إليهما باعتبارهما جهات معادية مسؤولة عن جميع مآسي روسيا.
حتى رغم انعدام أساس هذه الاتهامات الموجهة إلى الغرب تمامًا، والانتهاكات العديدة لحقوق الإنسان والقوانين الوطنية التي ارتكبها بوتين وجميع أفراد المؤسسة الحاكمة الروسية، يُنظر إلى هؤلاء بوصفهم مسحاء ومنقذي الأمة. ومن هنا تصاعد التأييد الشعبي للرئيس الروسي بعد احتلال القرم عام 2014 وبدء الحرب الشاملة غير المبررة ضد أوكرانيا قبل شهر ونصف.
في ضوء النقاط السابقة، كانت القيمة الجيوسياسية والاقتصادية والرمزية لأوكرانيا ذات أهمية خاصة للنخب الروسية. ولذلك، فعل الكرملين كل ما في وسعه لمنع الأوكرانيين من الابتعاد عن روسيا. غير أن معظم المساعي الروسية لصنع صورة إيجابية لبلادهم لدى السكان الأوكرانيين، والتي شملت بالدرجة الأولى، من دون أن تقتصر على، التمويل السخي لمرشحي الرئاسة والأحزاب السياسية والقنوات التلفزيونية الموالية لروسيا، أدت إلى النتيجة المعاكسة.
أدت معارضة الشعب الأوكراني لمحاولات القمع العديدة وإرادته في سلوك الطريق غربًا، نحو الديمقراطية والحرية، إلى نشوء نوع خاص من الازدراء للأوكرانيين داخل المؤسسة الحاكمة الروسية، وهو ازدراء لقي قبولًا واسعًا ودعمًا من السكان؛ كما يُنظر إلى كل خطوة تخطوها أوكرانيا إلى الأمام في طريق نجاحها على أنها عمل عدائي تجاه روسيا. وكان الغزو الشامل فرصة أخرى للروس لإظهار أنهم لن يتوقفوا حتى تزول الدولة الأوكرانية المستقلة من الوجود.
استنادًا إلى ما سبق، أسيء تفسير السياسة الخارجية العدوانية لروسيا، التي دأبت على تطبيقها خلال السنوات الماضية، واستهين بها على نطاق واسع. غير أن العدوان العلني على دولة ديمقراطية تقع تقريبًا في وسط أوروبا يساعد العالم المتحضر على إدراك جوهر السياسة الروسية الحقيقي وفهم أن ردع معتدٍ بهذا الحجم أو استرضاءه ليس بديلًا من إيقافه برد موحد وقوي.
تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.