

652 كيلوبايت

بعد تقليص اعتماده على إمدادات الطاقة الروسية، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام خيار يتجاوز سياسة الطاقة بكثير. ويُنظر إلى المتجه الجنوبي، ولا سيما المغرب العربي، بصورة متزايدة باعتباره جزءاً من بنية الطاقة الأوروبية الجديدة: فالجزائر قادرة على زيادة كميات الغاز المنقول عبر الأنابيب سريعاً، بينما يرسّخ المغرب مكانته منصةً للتحول «الأخضر» ولسلاسل قيمة الطاقة المستقبلية. لكن الرهان الأساسي هنا لا يتعلق بالإمدادات وحدها، بل بالأثر السياسي أيضاً: إذ يمكن لشراكة الطاقة أن تصبح جسراً نحو بناء «حزام استقرار» في الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي، وهو حزام لا تقل أوروبا اعتماداً عليه عن اعتمادها على جوارها الشرقي.
غير أن تعاون الطاقة، من دون إطار سياسي واستثمارات موجّهة، قد يظل صفقة ظرفية بدلاً من أن يكون أساساً لعلاقات مستقرة. ويحدد غياب الربط البيني، وتحديات الحوكمة في القطاع، ومسألة الصحراء الغربية، والتنافس الجزائري-المغربي، بصورة مباشرة ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً على تحويل المتجه الجنوبي من مجرد «سوق موارد» إلى فضاء للشراكة والاستقرار.
غالباً ما يوصف المتجه الجنوبي في سياسة الطاقة الأوروبية بأنه الخيار «الأقرب»، ومن ثمّ مرساة تبدو طبيعية للتنويع، ولا سيما بعد خفض الواردات من روسيا وضمن منطق REPowerEU. ويبدو المغرب العربي جذاباً بالفعل: القرب الجغرافي، ومسارات الإمداد القائمة إلى الدول الأعضاء الجنوبية في الاتحاد الأوروبي، والروابط التاريخية الكثيفة، وإمكانات استثمارية كبيرة يمكن «تغليفها» ليس فقط كصفقات طاقة بل كشراكة إنمائية أوسع. ووفقاً لـمراجعة التقدم المحرز في REPowerEU الصادرة عن المفوضية الأوروبية، تظل الجزائر مورداً رئيسياً وموثوقاً للغاز إلى الاتحاد الأوروبي، ما يؤكد استمرار أهمية المتجه الجنوبي.
لكن هنا تحديداً يظهر الفخ الرئيس: إذ لا يتحدد نجاح المتجه الجنوبي بكمية الغاز أو عدد الميغاواطات التي تستطيع الجزائر أو المغرب تقديمها فحسب، بل بقدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل الطاقة إلى أداة قابلة للإدارة، ويمكن التنبؤ بها، وقابلة للتوسّع في السياسة الخارجية؛ أي إلى جسر للاستقرار بدلاً من أداة إسعافية لـ«سدّ النقص».
أولاً، حتى مع وجود قاعدة موارد واستعداد لتوفير كميات إضافية، تواجه أوروبا قيوداً داخلية في البنية التحتية. وأوضح مثال على ذلك هو السعة غير الكافية للربط البيني بين إسبانيا وفرنسا. فقد عملت شبه الجزيرة الإيبيرية طويلاً بوصفها جزيرة طاقة، وهي اختناق هيكلي يعالجه الاتحاد الأوروبي الآن باستثمار من بنك الاستثمار الأوروبي بقيمة 1.6 مليار يورو في وصلة الربط البيني بخليج بسكاي، من المقرر أن ترفع سعة التبادل من 2.8 غيغاواط إلى 5 غيغاواط. ونتيجة لذلك، غالباً ما يعمل المتجه الجنوبي حلاً لدول أعضاء منفردة، لكنه لا يصبح تلقائياً ضمانةً منهجية للاتحاد ككل. وهذا يعني أن أي نقاش حول المغرب العربي بوصفه ركيزةً لبنية الطاقة الأوروبية الجديدة يصطدم حتماً بمنطق شبكة الاتحاد الأوروبي نفسها: فتنوّيع الموردين من دون تنويع «الشرايين» الداخلية وتعزيزها لا يحقق مكسباً استراتيجياً كاملاً.
ثانياً، لا يمكن النظر إلى المتجه الجنوبي بمعزل عن الاقتصاد السياسي للمنطقة. فعلى خلاف المفهوم التكنوقراطي لـ«سوق الموردين»، يُعد المغرب العربي فضاءً يمكن أن تصبح فيه البنية التحتية للطاقة ومساراتها جزءاً من تنافس سياسي وصراع دبلوماسي. فالتنافس الجزائري-المغربي، ومسألة الصحراء الغربية، والشكوك المتبادلة تحول حتى المشاريع الواعدة إلى ترتيبات هشة: إذ لا تعتمد على السعر أو التكنولوجيا فحسب، بل على المناخ السياسي، والبيئة الأمنية، والشرعية الداخلية للقرارات، والتوازنات الإقليمية. ويخلق هذا للاتحاد الأوروبي تحدياً عملياً: فلا يمكن بناء «حزام استقرار» عبر الطاقة إلا حين تُدعّم ترتيبات الطاقة بإطار أوسع للحضور، استثماري ومؤسسي وأمني، وحين لا يجري مجرد الإقرار بمخاطر الصراع، بل إدارتها بنشاط.
ثالثاً، تتشكل سياسة الطاقة الأوروبية في آن واحد بفعل أفقين زمنيين ليس من السهل دائماً التوفيق بينهما. فعلى المدى القصير، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى كميات موثوقة غير روسية وحلول سريعة نسبياً لتحقيق الاستقرار في سوق الطاقة. وعلى المدى الطويل، يسود منطق إزالة الكربون: الصفقة الخضراء، وأهداف الحياد المناخي، والتحول الصناعي. وفي سياق المغرب العربي، يعني ذلك أنه لا ينبغي وضع جزئي الأجندة «الغازي» و«الأخضر» في مواجهة بعضهما بعضاً. فإذا استثمر الاتحاد الأوروبي في بنية تحتية للوقود الأحفوري فقط، من دون خطة للتوافق مع سلاسل القيمة منخفضة الكربون مستقبلاً، فإنه يخاطر بخلق تبعيات جديدة وأصول عالقة. أما إذا راهن، من ناحية أخرى، على التكنولوجيات الخضراء وحدها، فقد يكون الأثر بطيئاً جداً لتلبية الاحتياجات الحالية. ولذلك تصبح جودة الاستثمارات وتصميم الشراكات حاسمين: إذ ينبغي للحلول أن تعزز في الوقت نفسه مرونة الطاقة «هنا والآن»، مع الحفاظ على مجال للتحول التكنولوجي والانتقال «لاحقاً».
وفي المحصلة، يشكل متجه الطاقة الجنوبي، بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، اختباراً لقدرته على الجمع بين سياسة البنية التحتية الداخلية، والحضور الاستثماري الخارجي، وسياسة الجوار في بنية استراتيجية واحدة. ولهذا تحديداً يمكن للطاقة أن تصبح جسراً نحو اتصالات مستقرة و«حزام استقرار» في الجوار الجنوبي، لكن فقط إذا تعامل الاتحاد الأوروبي مع المغرب العربي لا بصفته بديلاً مؤقتاً للإمدادات، بل فضاءً لشراكة طويلة الأمد تتطلب فيه الاستقرار والمنفعة المتبادلة استثماراً منهجياً وإطاراً سياسياً.
في معادلة الطاقة الجنوبية للاتحاد الأوروبي، تبدو الجزائر الشريك الأكثر بداهة لأنها تقدم ما تفتقر إليه أوروبا في فترة الاضطراب: قرباً جغرافياً نسبياً، ومسارات أنابيب قائمة، والقدرة على دعم نظام الطاقة من دون التعرض المستمر للمنافسة العالمية على ناقلات الغاز الطبيعي المسال والاختناقات البحرية. ولهذا السبب، بعد عام 2022، لم يعد المسار الجزائري يُنظر إليه باعتباره مجرد خيار بين خيارات أخرى، بل أداة عملية لتعزيز المرونة بسرعة، ولا سيما بالنسبة إلى الدول الأعضاء الجنوبية في الاتحاد الأوروبي. فعلى سبيل المثال، اتفقت إيطاليا والجزائر على زيادة إمدادات الغاز إلى 9 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول عام 2024 عبر خط أنابيب TRANSMED. وبهذا المعنى، تمثل الجزائر المسافة القصيرة: فهي قادرة على إحداث أثر أسرع من أي مشاريع خضراء كبرى تتطلب سنوات من الإعداد والتمويل ونشر البنية التحتية.

غير أن الشراكة الاستراتيجية مع الجزائر لا يمكن اختزالها في منطق «المزيد من الأمتار المكعبة يعني مزيداً من الأمن». فالواقع أكثر تعقيداً، وفي هذا التعقيد تحديداً تكمن الدروس الرئيسة للاتحاد الأوروبي. أولاً، حتى عندما تكون لدى الجزائر إمكانات زيادة الإمدادات، يظل الأثر في وضع الطاقة الأوروبي العام غير متكافئ: إذ يدخل الغاز إلى أوروبا عبر مسارات محددة ويعزز في المقام الأول الأسواق الأقرب مادياً أو الأفضل اتصالاً. ومن دون تعزيز الربط البيني الداخلي في الاتحاد الأوروبي، لا تصبح الجزائر «مورداً للجميع»؛ بل تظل بالغة الأهمية، ولكن أساساً لجزء من الاتحاد.
ثانياً، يمتلك قطاع الطاقة الجزائري «حدوده الداخلية» الخاصة: بنية تحتية متقادمة، وقيود تنظيمية، وبيئة استثمارية قومية تنفّر رأس المال الأجنبي، وكلها تؤثر مباشرة في قدرة البلد على توسيع صادراته على نحو مستدام. وقد شهدت إيطاليا، أكبر زبون للجزائر في الاتحاد الأوروبي، انخفاض حصة الجزائر من وارداتها من الغاز من 44% في عام 2022 إلى 36% في عام 2024. ويظل الأثر في وضع الطاقة الأوروبي العام غير متكافئ: إذ يدخل الغاز إلى أوروبا عبر مسارات محددة ويعزز في المقام الأول الأسواق الأقرب مادياً أو الأفضل اتصالاً.
وثمة أيضاً عامل الأفق الزمني: فالتحاد الأوروبي يفكر بمنطق الانتقال، وإزالة الكربون، واقتصاد الهيدروجين المستقبلي، في حين يظل نموذج إيرادات الجزائر مرتبطاً إلى حد كبير بالهيدروكربونات. وقد عكس أحدث حوار رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي والجزائر بشأن الطاقة (فبراير 2026) هذا التوتر، إذ شملت المناقشات التعاون في الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين، ما يشير إلى أن بروكسل تدفع نحو توسيع العلاقة إلى ما يتجاوز الوقود الأحفوري. ولا ينشئ ذلك صراعاً، بل توتراً في المصالح يجب معايرته على نحو صحيح كي لا تتحول الشراكة إلى معاملة مؤقتة.
لذلك، تمثل الجزائر للاتحاد الأوروبي فرصةً وتحدياً في آن واحد. فالفرصة هي أنها تستطيع المساعدة في تخفيف الأثر على أوروبا خلال فترة الانتقال. أما التحدي فهو أن تحقيق مكسب استراتيجي حقيقي يتطلب نوعية مختلفة من الانخراط: لا شراء مورد فحسب، بل بناء إطار من الثقة وإمكانية التنبؤ يشمل الاستثمار في تحديث القطاع، والبنية التحتية، وقواعد لعب شفافة، والمواءمة التدريجية لحوار الطاقة مع أهداف الاتحاد الأوروبي طويلة الأجل.
وفي منطق «حزام الاستقرار»، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة: فالإمدادات المستقرة تنشأ حيث توجد ظروف مؤسسية واقتصادية مستقرة، لا حيث توجد المكامن فقط.
إذا كانت الجزائر في هذه القصة شريكاً لأمن الطاقة «اليوم»، فإن المغرب شريك أكثر لبنية «الغد». فالبلد لا يمتلك احتياطيات مماثلة من الغاز أو النفط؛ لكنه يبني دوره في الطاقة حول توليد الطاقة المتجددة وفكرة تحويل القرب الجغرافي من أوروبا إلى ميزة اقتصادية. وقد أرست الشراكة الخضراء بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، الموقعة في أكتوبر 2022 وأول اتفاق من هذا النوع ضمن الذراع الخارجية للصفقة الخضراء الأوروبية، حواراً سياسياً حول المناخ والطاقة والاقتصاد الأخضر، بما يشمل صراحة تطوير اقتصاد الهيدروجين. ويفتح ذلك للاتحاد الأوروبي نوعاً مختلفاً من الانخراط: ليس استبدالاً سريعاً للإمدادات، بل شراكة استثمارية قادرة على خلق سلاسل قيمة جديدة.
طموحات المغرب في هذا المجال كبيرة. ففي مارس 2024، أطلقت الحكومة برنامج الاستثمار «عرض المغرب»، مخصصةً 300,000 هكتار لمشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر بقيمة تقارب 32.5 مليار دولار، تركز على الأمونيا الخضراء والوقود الإلكتروني والصلب الأخضر. وبحلول مارس 2025، جرى اختيار خمسة اتحادات استثمارية مسبقاً للمرحلة الأولى. ويهدف البلد إلى زيادة حصة الطاقات المتجددة إلى 52% من إجمالي القدرة المركبة بحلول عام 2030. وقد وقّعت ألمانيا وهولندا وشركاء أوروبيون آخرون بالفعل خطط عمل ثنائية ومذكرات تفاهم تدعم الهيدروجين والبنية التحتية للموانئ وممرات الشحن الخضراء.

وهنا تحديدًا تعمل الطاقة بأفضل صورة بوصفها «جسرًا». يتيح المسار المغربي للاتحاد الأوروبي ربط مصالحه في مجال الطاقة بالمنطق الأوسع للسياسة الأوروبية للجوار: التنمية، والبنية التحتية، والتعاون التكنولوجي، والتوظيف، وتعزيز قدرة الشركاء على الصمود. ومن منظور أوسع، ينسجم ذلك مع الفكرة الأوروبية للاستقرار عبر التنمية، حيث لا يقتصر دور الشريك على توريد مورد، بل يصبح مشاركًا في تحول مشترك. ومع ذلك، يجدر التنويه بأن الكهرباء ستخضع لآلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي (CBAM) ابتداءً من عام 2026، مما يحوّل قوة التفاوض نحو بروكسل ويعزز إلحاح إزالة الكربون بالنسبة إلى المنتجين المغاربة.
غير أن إمكانات المغرب لا توجد في فراغ. فهي تصطدم بالمخاطر السياسية والتوترات الإقليمية، ولا سيما حول الصحراء الغربية، وكذلك بالحاجة إلى استثمارات كبيرة وطويلة الأجل تتطلب مستوى مرتفعًا من القدرة على التنبؤ والثقة.
ومن المهم التشديد على ذلك لتجنب خلق أوهام: يمكن للأجندة «الخضراء» في الجنوب أن تصبح قصة نجاح للاتحاد الأوروبي، لكنها ليست تلقائية ولا حلًا سريعًا. لذلك ينبغي عرض المغرب هنا لا بوصفه بديلًا عن الجزائر، بل بوصفه طبقة أخرى من الاستراتيجية ذاتها: يمكن للجزائر أن تعزز القدرة على الصمود على المدى القصير، بينما يمكن للمغرب أن يساعد أوروبا على الاستثمار في نموذج طاقة مستقبلي، وعلى نطاق أوسع، في الاستقرار طويل الأمد للجوار الجنوبي.
في الوقت الذي يحاول فيه الاتحاد الأوروبي بناء «حزام استقرار» طويل الأمد في شمال أفريقيا، فإن أصعب عنصر في هذا البناء ليس نقص الموارد، ولا حتى شح الأموال، بل الهندسة السياسية للمنطقة. فمنذ عام 2021، حين قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، انخرط الجاران في أزمة عميقة. ووفقًا لـمجموعة الأزمات الدولية، تنذر الحوادث في الصحراء الغربية بجر البلدين إلى مواجهة، كما ترسخت الشكوك المتبادلة بشكل ملحوظ.
غالبًا ما تبدو الجزائر والمغرب لبروكسل مسارين منفصلين للتعاون — لكل منهما أهميته وآفاقه ومجموعة مصالحه وصيغ الحوار الخاصة به مع الاتحاد الأوروبي. لكن عمليًا، يتقاطع هذان المساران: إذ يعني التنافس بين البلدين أن الطاقة هنا لا تكاد تبقى «اقتصادًا محضًا». فهي سرعان ما تصبح لغةً للإشارات السياسية، وأداةً للتنافس على النفوذ، ووسيلةً للضغط. وقد شرع البلدان في استخدام الطاقة والتجارة كأداتين لتعزيز طموحاتهما الاستراتيجية — الجزائر من خلال نفوذها الغازي على إيطاليا وألمانيا، والمغرب من خلال مشروع خط أنابيب نيجيريا والشراكات الخليجية. لذلك فإن أي استراتيجية أوروبية تتجاهل هذه الخلفية تخاطر بأن تعمل فقط ما دامت المنطقة تحتفظ بنوع من «الطقس المعتدل».
تتمثل العقدة المركزية للتنافس في قضية الصحراء الغربية وما يرتبط بها من دعم الجزائر لجبهة البوليساريو. وكان أبرز تجلٍّ طاقوي لهذا النزاع قرار الجزائر عام 2021 وقف صادرات الغاز عبر خط أنابيب المغرب العربي–أوروبا المار عبر الأراضي المغربية. وكما يشير تحليل حديث صادر عن صندوق مارشال الألماني، فإن تنافس الجزائر مع المغرب يشكل دبلوماسيتها في مجال الطاقة مباشرةً ويقيد قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع الممر الشمالي باعتباره منطقة إمداد متماسكة، فيما يتعمق التعقيد الجيوسياسي أكثر بسبب اعتماد الجزائر في التسليح على موسكو.
بالنسبة إلى المغرب، تعد هذه مسألة سلامة إقليمية وشرعية داخلية — ومن ثم فهي خط أحمر يشكل المنطق العام لسياسته الخارجية. أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن دعم البوليساريو ليس عنصرًا من عناصر السياسة الإقليمية فحسب، بل هو أيضًا وسيلة للحفاظ على دورها في توازن القوى في المغرب العربي. ونتيجة لذلك، يتشابك نزاع قد يبدو للوهلة الأولى «منفصلًا» عن الطاقة مع مسارات الطاقة، وآفاق مشاريع البنية التحتية الكبرى، والمستوى العام للثقة. وهنا يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يفهم: حتى أفضل المشاريع التقنية يمكن أن تفقد معناها إذا لم تنسجم مع الواقع السياسي للمنطقة.

ولهذا السبب تحديدًا يكون تعاون الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة مع المغرب العربي عرضة لتقلبات حادة. فقد يكون تدهور العلاقات الدبلوماسية أو تصعيد الخطاب كافيًا لوضع الإمدادات أو العبور أو التنسيق تحت الضغط. وبالنسبة إلى أوروبا، يعني ذلك أن الرهان على المسار الجنوبي لا يمكن أن يُبنى حصرًا على «صفقات ثنائية مع كل طرف». وإذا أراد الاتحاد الأوروبي أن تؤدي الطاقة دور جسر إلى اتصالات مستقرة، فهو يحتاج إلى آليات دنيا على الأقل تقلل خطر «تأثير الدومينو»، حيث تؤدي التوترات بين الجزائر والمغرب إلى زعزعة الصورة الإقليمية الأوسع.
هنا، تكون المقارنة الحذرة مع الجوار الشرقي مناسبة: ففي الشرق والجنوب على السواء، يواجه الاتحاد الأوروبي واقع أن النزاعات السياسية الكبرى قادرة على إعادة تشكيل قرارات الطاقة والبنية التحتية. والفرق هو أن أوروبا لا تزال تملك في المغرب العربي مجالًا أوسع لـ«أجندة إيجابية» — الاستثمار والتنمية والتعاون التكنولوجي ومشاريع البنية التحتية طويلة الأجل — وهذا المجال بالذات يمكن استخدامه كضمانة. لكن المنطق الكامن واحد: إذا لم يدمج الاتحاد الأوروبي المخاطر السياسية في تصميم شراكاته في مجال الطاقة، فإنه يحكم على نفسه بإدارة تفاعلية للأزمات، حيث يتطلب كل تصعيد «إخماد حرائق» بدلًا من التقدم المطرد نحو القدرة على الصمود طويلة الأجل.
يمكن بناء حزام للاستقرار عبر الطاقة، ولكن فقط إذا أدركت أوروبا أن استقرار المسارات واستقرار المنطقة مترابطان، وأن الاستثمار من دون إطار سياسي قد لا يؤدي أحيانًا إلا إلى زيادة كلفة الأزمات المستقبلية.
حين يتحدث الاتحاد الأوروبي عن شمال أفريقيا بوصفها جزءًا من بنية طاقة أوروبية جديدة، فإن السؤال الرئيسي ليس «هل نتعاون؟» بل «كيف؟» — وفق أي منطق، وبأي أدوات، وعلى أي أفق زمني. وعمليًا، لدى الاتحاد ثلاثة مسارات متميزة على الأقل، يستجيب كل منها بصورة مختلفة للمعضلة بين التأمين السريع للطاقة والطموح طويل الأمد لتحويل الطاقة إلى جسر للاستقرار في الجوار الجنوبي.
أبسط الخيارات هو الاستمرار في مسارات ثنائية متوازية: تعميق التعاون مع الجزائر والمغرب كلًّا على حدة، من دون الانتقال إلى صيغ أكثر تعقيدًا يتعين فيها على الاتحاد الأوروبي أن يعمل بصفته منسقًا أو وسيطًا بين متنافسين. ويجذب هذا النموذج بسبب «خفته» السياسية: فهو يتيح للاتحاد الأوروبي تجنب الموضوعات التي تصبح سامة بسرعة والتركيز على المسائل العملية — العقود واتفاقات الاستثمار والمشاريع المستهدفة. لكن حدّه واضح: فالنهج الثنائي لا يزيل الهشاشة الإقليمية؛ بل يعلّم الاتحاد الأوروبي التعايش معها فحسب. وقد ينجح في فترات الهدوء النسبي، لكن عندما يحتدم التنافس أو تتآكل الثقة، تعود الطاقة إلى دائرة الخطر، وتدفع أوروبا عمليًا ثمن غياب الضمانات المنهجية.
الخيار الثاني — وهو الأنسب لفكرة «حزام الاستقرار» — يتمثل في التعامل مع البنية التحتية والاستثمار بوصفهما شكلًا من أشكال الاستراتيجية، لا مجموعة من المشاريع المنفردة. وفي هذا النهج، يقر الاتحاد الأوروبي بأن التنويع لا ينجح إلا حين تستطيع الشبكة الداخلية لأوروبا توزيع المورد، وحين تمتلك البلدان الشريكة القدرة المؤسسية والتنظيمية لتكون موردين أو منصات إنتاج يمكن التنبؤ بها.
وهذا يعني الاستثمار ليس فقط «هناك»، في المغرب العربي، بل أيضًا «هنا»، في قلب أوروبا: في الربط، ومرونة النظام، والروابط البينية، وتحديث الشبكات. وبالتوازي، يعني الاستثمار في قطاعات الطاقة لدى الشركاء بطرق تعزز ليس فقط أحجام الإمدادات أو الميغاواط المولدة، بل القدرة الأوسع على الصمود: الحوكمة، وقواعد اللعبة الشفافة، وتطوير البنية التحتية، والآثار الاجتماعية والاقتصادية. وهكذا يمكن للطاقة أن تؤدي دور الجسر: فهي تمنح الاتحاد الأوروبي أساسًا ملموسًا لشراكة أطول أمدًا يُبنى فيها الاستقرار عبر التنمية والاعتماد المتبادل، لا عبر المشتريات في أوقات الأزمات فقط.
الخيار الثالث هو رهان تكنولوجي أخضر، يركز فيه الاتحاد الأوروبي أساسًا على التعاون مع المغرب بوصفه منصة مستقبلية للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والمنتجات المشتقة. ويتوافق هذا النهج أكثر من غيره مع منطق الاتحاد الأوروبي المناخي، ويمكن أن يخلق اندماجًا أعمق في سلاسل القيمة المستقبلية. لكنه يواجه قيدين طبيعيين: الوقت والكلفة. فنادرًا ما تحقق المشاريع الخضراء أثرًا سريعًا؛ إذ تتطلب دورات استثمار طويلة، وبنية تحتية، وأطرًا تنظيمية، والأهم من ذلك بيئة سياسية مستقرة. ولذلك، يمكن أن يكون «الرهان الأخضر» عنصرًا قويًا في اللعبة طويلة الأمد، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحلول قصيرة الأجل بالكامل حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قدرته على الصمود في مجال الطاقة بسرعة.
من الناحية العملية، ليست هذه الحزم الثلاث متنافية بالضرورة؛ إذ يمكن للاتحاد الأوروبي الجمع بينها، لكن من المهم ألا يفقد عموده الفقري الاستراتيجي. فإذا لم يكن الهدف مجرد التنويع المادي للإمدادات، بل إنشاء حزام استقرار جنوبي، فيجب أن تصبح الطاقة «مبدأً منظمًا» لشراكة أوسع: تستند إلى فهم واضح للقيود التي تفرضها البنية التحتية لأوروبا نفسها، والمخاطر السياسية الإقليمية في المغرب العربي، والمسار الطويل للتحول الأخضر. وهذا الترابط — الموارد والاستثمار والمؤسسات والاستقرار — هو ما يمكن أن يحوّل المسار الجنوبي إلى مرساة طويلة الأجل بدلًا من استجابة ظرفية للأزمة التالية.
الآراء والأفكار ووجهات النظر الواردة في الأوراق المنشورة على هذا الموقع تخص المؤلفين وحدهم، ولا تعكس بالضرورة آراء مركز الحوار عبر الأطلسي أو لجانه أو منظماته التابعة. وتهدف هذه الأوراق إلى تحفيز الحوار والنقاش، ولا تمثل مواقف سياسية رسمية لمركز الحوار عبر الأطلسي أو لأي منظمات أخرى قد يكون المؤلفون مرتبطين بها.
تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.