

4 MB

المعلومات سلاح. وروسيا تدرك ذلك جيداً. في فبراير 2013، نشر الجنرال فاليري غيراسيموف، رئيس هيئة الأركان العامة الروسية، مقالة قصيرة عن «قيمة العلم في التنبؤ»، رسم فيها ملامح حروب المستقبل. وطرح الأفكار التالية:
استخدمت روسيا تكتيكات الحرب المختلطة لأول مرة بعد غزو جورجيا عام 2008، وبعد أن أدركت فاعلية هذا التكتيك، بدأت في تشغيل آلة الدعاية بوتيرة أكبر. وبلغت ذروتها عام 2014، أثناء ضم القرم وبداية الحرب في دونباس. وأدى الاحتلال الذي شهد إراقة دماء محدودة نسبياً، مقترناً بالكم الهائل من التضليل، إلى أن الألمان لا يزالون حتى اليوم يملكون فهماً مشوهاً لتلك الأحداث.
في أعقاب هذه الظروف، صنّف تقرير عام أصدرته الجمعية البرلمانية لحلف الناتو في أكتوبر 2015 ما تمارسه روسيا من «حرب هجينة» على أنه «تحدٍّ استراتيجي جديد» يتطلب من الدول الأعضاء في حلف الناتو العمل على المستويات المحلية والوطنية والدولية من أجل «إعداد سكانها والدفاع عنهم» في ضوء البيئة الأمنية لما بعد 2014.
وفقاً لاستطلاع عام 2021، خشي 91% من الألمان أن يتأثر مواطنوهم بالتضليل. وكان لديهم سبب وجيه لذلك، إذ تتبع الباحثون، بين عامي 2015 و2021 وحدهما، أكثر من 700 حملة روسية للتضليل تستهدف ألمانيا.
وقد أثمرت تلك الجهود الكبيرة:

حتى بعد عام 2022، حين اتضحت لا شرعية أفعال روسيا، لا يزال عامة الناس يفتقرون إلى الوعي بحجم الوحشية والجرائم التي ارتكبها الجيش الروسي.
وفقاً لدراسة «Belastungsprobe für die Demokratie»، اعتقد ألماني واحد تقريباً من كل خمسة أن حلف الناتو استفز روسيا مدة طويلة إلى حد اضطرارها لبدء حرب (19%). وأشد الاتجاهات إثارة للقلق هو أن تأييد التصريحات المؤيدة لروسيا أخذ يزداد تدريجياً منذ أبريل 2022.
يؤكد كل ذلك وجود مشكلة حادة للتضليل الروسي في ألمانيا. وتحاول هذه المقالة تفسير آلية عمله، وسبب تصديق الناس له، وكيفية مكافحته في الواقع الألماني. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن تراجع التضامن مع أوكرانيا يجعل السياسيين أكثر تردداً في زيادة الدعم. وبينما يشك الناس في موضع الحقيقة، يموت عدد متزايد من سكان أوكرانيا الأبرياء.
اعتقدت النخب الألمانية أن السلام والاستقرار في أوروبا لا يمكن تحقيقهما إلا مع روسيا لا ضدها. ووفق هذا التصور، ينبغي أن تندمج روسيا في أوروبا، ورأت ألمانيا نفسها جسراً تمر روسيا عبره في هذا الطريق.
وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة Körber عام 2018، اعتبر 17% من الألمان روسيا الشريك الأهم لألمانيا، في المرتبة الثالثة بعد فرنسا والولايات المتحدة، وأراد 69% منهم مزيداً من التعاون معها.
أثرت العوامل التالية في هذه الرؤية:
1. تاريخي وسياسي
أولاً، بعد الحرب العالمية الثانية، عندما فقد الاتحاد السوفيتي أكثر من 26 مليون شخص، بقي لدى ألمانيا «عقدة ذنب» تجاه روسيا. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يرى الألمان روسيا الضحية الوحيدة للإبادة التي سببتها الحرب في أوروبا الوسطى والشرقية. وبالمثل، يعدّون روسيا البلد الوحيد المنتصر. غير أن الجيش الأحمر ضم جنوداً من خلفيات قومية متنوعة، وكانت بولندا وبيلاروس وأوكرانيا، في الواقع، الأكثر تعرضاً للدمار وفقدان الأرواح.
ثانياً، كانت ألمانيا هدفاً للتضليل السوفيتي ثم الروسي منذ الحرب الباردة. ففي خمسينيات القرن العشرين، حاول السوفييت التلويح بخطر عودة النازية لتشجيع دعم الأحزاب الموالية للسوفييت. وفي انتخابات 1983، دبرت موسكو ما وصفته حكومة المستشار هلموت كول بأنه «حملة دعائية ضخمة للتدخل في شؤون ألمانيا الغربية» لإزاحته من السلطة.
لكن نقطة التحول جاءت عندما أطلق مستشار ألمانيا الغربية فيلي برانت Ostpolitik في أوائل سبعينيات القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين، أصبحت العلاقات الوثيقة مع روسيا جزءاً دائماً من السياسة الخارجية الألمانية. وتمثلت فكرة هذه السياسة في دمقرطة روسيا عبر اندماجها الاقتصادي. واعتقدت ألمانيا أن تعزيز الروابط الاقتصادية بين البلدين سيجعل موسكو أقل عدوانية في الحفاظ على مكاسبها. غير أن مبادئ الاعتماد المتبادل الإيجابي لا تتوافق ببساطة مع تصور روسيا لمصالحها وطبيعة نظامها السياسي. ولذلك أصبحت ألمانيا نفسها معتمدة على روسيا، ولا سيما على غازها.
أصبحت ألمانيا مثالاً لافتاً على دعم روسيا من أحزاب اليمين (Alternative für Deutschland) واليسار (Die Linke) معاً. ويبيّن ذلك لا مبالاة القيادة الروسية بالأيديولوجيات، إذ لا تفهم إلا مفهوم «المصالح والمنافع». وهذا النهج هو ما يؤدي إلى تضحيات جسيمة لأنه يحط من قيمة الحياة البشرية في سبيل الهدف.
لم يؤدِ عام 2014 وضم القرم إلى مراجعة إرث Ostpolitik، لكن أولاف شولتس ألقى عام 2022 خطاباً أعلن فيه خطة لقطيعة جذرية مع سياسة ألمانيا التقليدية تجاه روسيا. ويبعث ذلك الأمل في تقليص النفوذ الروسي في ألمانيا.
2. ثقافي واجتماعي
يعيش في ألمانيا نحو 2.5-3 ملايين مهاجر ناطق بالروسية. وكثير منهم معزولون اجتماعياً ومعرفتهم باللغة الألمانية محدودة. لذا، وعلى الرغم من عيشهم في بلد آخر، يظلون في الفضاء المعلوماتي الروسي.
وثمة هدف آخر للدعاية الروسية هو ولايات جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 16 مليوناً. وخلال الحكم السوفيتي، انتشرت الثقافة الروسية على نطاق واسع. فكان الأطفال يقرؤون دوستويفسكي وتولستوي في المدرسة، ويستمعون إلى تشايكوفسكي، ويتعلمون الروسية لغة أجنبية. وليس من السهل قطع هذا الارتباط الثقافي.
بل إن هناك اليوم مصطلحاً خاصاً – «Ostalgia،» المبني على دمج كلمتي Ost (الألمانية بمعنى «الشرق») وNostalgia، ويُطلق على من يحنّون إلى ماضي ألمانيا الشيوعي.

إضافة إلى ذلك، شجعت القيادة الروسية بنشاط أنشطة اندماج غير رسمية، مثل برامج التبادل. فعلى سبيل المثال، فازت أنغيلا ميركل، في الخامسة عشرة من عمرها، برحلة إلى موسكو مكافأةً لأدائها في مسابقة ألمانيا الشرقية الوطنية للغة الروسية.
ومن الأمثلة الحية على هذا التفاعل قبل عام 2022 المنتدى الألماني-الروسي.
أثرت هذه الروابط الثقافية بقوة في البلد وفي تصوره لروسيا. وتكتب كريستي رايك في مقالها أن ألمانيا تبدو مؤمنة، على نحو يكاد يكون عقائدياً، بقيمة تطوير حوار مع روسيا، وغالباً من دون فكرة واضحة عما تريد التحدث بشأنه. وقد يكون ذلك نتيجة اعتقاد ألمانيا بتفرّد علاقاتها مع روسيا وبأن لها نفوذاً عليها.
ومن السمات المميزة الأخرى لكثير من الألمان رفضُ التطرف في الأفعال والأفكار معاً، وهو ما ينبع من إرث الحرب العالمية الثانية. ورغم أن الأمر يتعلق أحياناً بمجرد معتدٍ وضحية، فإنهم يعتقدون أنه لا يوجد أبيض أو أسود، ويريدون النظر إلى الوضع من زوايا مختلفة. وليس الالتزام بالمفاوضات دائماً تكتيكاً فعالاً في حرب تتطلب قرارات سريعة وموقفاً حازماً.
3. اقتصادي
خلال السنوات الـ26 الماضية، نمت صادرات ألمانيا إلى روسيا بنسبة 6.22% سنوياً من $6.51 مليار عام 1995 إلى $31.3 مليار عام 2021، فيما نمت صادرات روسيا إلى ألمانيا بنسبة 4.56% من $6.04 مليار عام 1995 إلى $19.2 مليار عام 2021.
عندما غزت القوات الروسية أوكرانيا، كانت روسيا توفر أكثر من نصف إجمالي الغاز الطبيعي الذي تستورده ألمانيا، بما يعادل نحو $220 مليون يومياً.
لدى كثير من أكبر الشركات الألمانية روابط أعمال واسعة مع روسيا. وضم اتحاد Nord Stream 2 شركتي Uniper وWintershall الألمانيتين، بينما يرأس المستشار السابق غيرهارد شرودر (SPD) مجلس إدارة Nord Stream AG. وقد حدّ نفوذ الشركات الكبرى في الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) من إمكانية مواجهة موسكو خلال عهد ميركل.

حتى بعد الغزو واسع النطاق لأوكرانيا، لا تزال Gazprom تحاول الحفاظ على موقعها في ألمانيا. فعلى سبيل المثال، كشف تحقيق حديث لموقع Correctiv الإخباري عن شبكة روابط بين سياسيين ألمان وشركات طاقة ألمانية ومجموعة من المنظمات غير الحكومية. ومن السمات المميزة لجماعات الضغط الروسية استهداف ولايات ألمانية بعينها؛ فعلى سبيل المثال، اكتسبت نفوذاً كبيراً بوجه خاص في مكلنبورغ-فوربومرن. وكان عدد كبير من رؤساء الحكومات السابقين والحاليين للولايات الألمانية الـ16 أعضاءً وضيوفاً بارزين في منظمات ممولة جيداً، مثل المنتدى الألماني-الروسي للمواد الخام وغرفة التجارة الخارجية الألمانية-الروسية ومعهد أبحاث حوار الحضارات قصير العمر.
غير أن الحرب واسعة النطاق في أوكرانيا غيّرت العلاقات بين روسيا وألمانيا بدرجة كبيرة وخفّضت روابطهما الاقتصادية. وتفيد الإحصاءات بأنه بين أكتوبر 2022 وأكتوبر 2023، انخفضت صادرات ألمانيا بمقدار €-376M (-38.2%) من €986M إلى €610M، فيما انخفضت الواردات بمقدار €-1.56B (-86.3%) من €1.8B إلى €246M.
حين نفكر في التضليل، فإن أول ما يخطر في بالنا أنه يحاول باستمرار فرض الأكاذيب علينا. لكن التضليل في الواقع أكثر تعقيداً بكثير، والأساليب التي تستخدمها روسيا أوسع نطاقاً. وفيما يلي بعض منها:
1. «الفوضى المضبوطة» أو «تعدد الحقائق». فعلى سبيل المثال، عندما أُسقطت رحلة الخطوط الجوية الماليزية MH17، عقدت وزارة الدفاع الروسية مؤتمراً صحفياً خاصاً عرضت فيه سيناريوهات مختلفة. ورغم أنها كانت متناقضة ولم تصمد حتى أمام فحص وجيز من الخبراء، فقد حققت غرضها – وهو زرع الشكوك.
ومن الأمثلة الأحدث تغطية وسائل الإعلام للأحداث المأساوية في بوتشا. فبحسب ما ذكرته وزارة دفاع الاتحاد الروسي، لم يتعرض أي ساكن محلي لأي أعمال عنف خلال فترة سيطرة القوات المسلحة الروسية على هذه البلدة. وفي تقارير إخبارية أخرى، وُصفت لقطات القتلى بأنها تمثيل، وزُعم أن «الجثث تتحرك». وقال لافروف إن ذلك هجوم مزيف نفذته سلطات كييف، فيما اتهم لوكاشينكو بريطانيا العظمى بالاستفزاز.
الهدف الرئيس من هذه «الفوضى المعلوماتية» هو جعلنا نشك، لأننا عندئذ لا نعود متأكدين ممن على حق ولا نستطيع اتخاذ قرارات لمواجهة الظلم، إذ يصبح من غير الواضح من المذنب.
الأخبار الروسية فن حقيقي من فنون العبث. وكما كتب Splidsboel Hansen في تقريره: «في أفضل تقاليد ما بعد الحداثة، لا توجد «أخبار موضوعية»، بل تفسيرات مختلفة متنافسة تزعم إظهار جوانب شتى مما يمكن تسميته «الواقع».» وعندما نقرأ أن أوكرانيا تربي جراداً قتالياً وترسله إلى ساحة المعركة أو تستخدم الطيور أسلحة بيولوجية، فلا يعني ذلك وجوب تصديقنا له. لكننا نرتبك مع هذا العدد الكبير من صيغ الحقيقة ونفقد القدرة على الاستجابة بفاعلية.
2. حقائق محذوفة أو قصص غير مروية. فعلى سبيل المثال، حين تجنبت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة الأخبار المتعلقة بالغزو الروسي للقرم في فبراير 2014. ولم يبدأ الصحفيون بالكتابة عن الموضوع إلا حين أقر بوتين علناً بأن «الرجال الخضر الصغار» كانوا في الواقع قوات روسية.
3. السردية الصحيحة. يعني ذلك أن الأخبار تنقل أحداثاً صحيحة، لكن «الرأي الصحيح» يُفرض على القارئ. وقد لا تتضمن بالضرورة كذباً، لكنها تُصاغ لتكوين تفضيلات سياسية معينة لديه. فعلى سبيل المثال، إذا كتبت وسائل الإعلام الروسية عن تدريب القوات المسلحة في الخارج، فستكتب أن روسيا أرسلت مذكرة إلى دول حلف الناتو بشأن توريد الأسلحة إلى أوكرانيا، وأن إغراق الغرب أوكرانيا بالأسلحة يؤثر سلباً في المفاوضات الروسية-الأوكرانية.
4. إخراج الحقائق من سياقها. هذه الطريقة شائعة جداً لتضليل القارئ. فعند إنتاج مثل هذا التضليل، يختار المروجون المعلومات التي تشكل الرأي المرغوب فيه، ولا يذكرون المعلومات المناقضة له. فعلى سبيل المثال، نشر المروجون الروس خطاباً محرّفاً لكبير الجنرالات في الولايات المتحدة، كريستوفر كافولي، زعموا فيه أنه قال إن «الجيش الروسي، على ما يبدو، «لم يُمس»، وإن وسائل الإعلام الغربية تحرف المعلومات عن «تدهور» القوات الروسية». والحقيقة أن الجنرال لم يتحدث إلا عن الدوريات الروسية في المحيط الأطلسي، وقال إن هذا الجزء من قواتهم لم يتأثر بالحرب.
5. خبراء زائفون ومصادر مختلقة. وهكذا أفاد المراقب العسكري فيكتور ليتوفكين بأن أوكرانيا خسرت أكثر من 400 طائرة Bayraktar، في حين أن الشركة التركية Baykar Tech لم تكن قد أنتجت إجمالاً سوى نحو 300 طائرة من هذا النوع في ذلك الوقت. وتُستخدم هذه الأساليب لزيادة موثوقية المعلومات وطابعها العلمي.
6. التلاعب بالصور والفيديو. ومن أمثلة ذلك مجدداً نشر وسائل الإعلام الروسية مقطع فيديو بدا فيه أن زيلينسكي يضع الكوكايين على طاولته، مع أنه كان مفبركاً ببرنامج Photoshop. ولا تهدف استراتيجية تزوير صورة أو فيديو بالضرورة إلى خداع الجميع ودفعهم إلى الاعتقاد بأنه حقيقي. وتجعل كلفة إنتاج الصور ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت وتوزيعها المنخفضة وسهولة ذلك هذه الصيغ الأكثر استخداماً.
7. الشحنة العاطفية القوية. الغرض منها قمع التفكير العقلاني لدى الجمهور. وتكتب كارولين شوارتز من ISD Germany: «عندما تُثار مشاعر مثل الغضب أو الخوف، يميل الناس إلى مشاركة هذا المحتوى». فعلى سبيل المثال، انتشرت على نطاق واسع عبر الإنترنت قصة الصبي المصلوب على يد الجيش الأوكراني. ورغم أن الصبي لم يوجد في الواقع وأن الفيديو مزيف، فإن صحفيي التلفزيون الروسي صوّروه ووزعوه عام 2014.

هدف التضليل الروسي هو الوصول إلى أوسع جمهور ممكن، ويفضل أن ينتشر انتشاراً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التضليل على الإنترنت.
في عام 2021، كان للمنفذ الدعائي RT DE أكثر من 625,000 متابع على Facebook و608,000 على YouTube، وفقاً لبحث Belltower News.
وفقاً لتقرير EEAS عن تهديد التلاعب والتدخل الأجنبيين في المعلومات (FIMI)، يُنشر التضليل بأكثر من 30 لغة، 16 منها لغات الاتحاد الأوروبي. واستخدمت روسيا لغات أكثر من الصين، إذ استهدف 44% من المحتوى مجموعات ناطقة بالروسية و36% مجموعات ناطقة بالإنجليزية.
يحذر لوتس غولنر، رئيس الاتصالات الاستراتيجية في خدمة العمل الخارجي الأوروبية (EEAS)، من أن «التضليل يُنشر الآن بحرية كبيرة عبر القنوات الدبلوماسية، مثل حسابات السفارات والقنصليات الروسية».
تؤدي شبكات التواصل الاجتماعي أيضاً دوراً مهماً في نشر المعلومات المضللة. ووجدت الدراسة أن أكثر من 50 بالمئة من مستخدمي الإنترنت في 24 بلداً مختلفاً يستخدمونها مصدراً للأخبار.
في أغسطس 2022، نشر t-online بحثاً عن شبكة تضم مئات الحسابات الزائفة في ألمانيا كانت تنشر في التعليقات روابط لمواقع أخبار مزيفة.
خلص تحليل أجرته CORRECTIV إلى أن الحملات الموالية لروسيا في ألمانيا كانت تنشئ صفحات Facebook جديدة كل يوم تقريباً ثم تشغّل إعلانات مدفوعة. واستخدمت هذا الخداع العام الماضي، حين قالت Meta إن أكثر من $100,000 أُنفق على إعلانات Facebook وInstagram.
في الأسبوع الأول من الحرب وحده، حصدت مقاطع الفيديو من مصادر متنوعة على TikTok والموسومة بـ#Russia و#Ukraine 37.2 مليار و8.5 مليار مشاهدة. وأظهرت دراسة لشركة الإعلام الأمريكية الناشئة NewsGuard أيضاً أن عمليات البحث على TikTok أكثر احتمالاً بكثير لأن تقود إلى معلومات مضللة مما هي، مثلاً، على Google. وخلال بحث انتقائي عن الأحداث الجارية، احتوى نحو 20% من النتائج على معلومات خاطئة.
وعلى الرغم من أن ألمانيا وأوروبا تكافحان التضليل بنشاط، فإنه لا يزال ذا تأثير قوي ويجد وسائل مختلفة للتأثير في آراء الناس. فعلى سبيل المثال، توجد قنوات YouTube موالية لروسيا مثل «InfraRot Medien – Sicht ins Dunkel» (InfraRed Media – Light in the Dark)، المملوكة لإيفان روديونوف الذي عمل في محطة RT DE الروسية بين 2014 وأكتوبر 2021، أو مدونة «Anti-Spiegel» لتوماس روبر المقيم في سانت بطرسبرغ، أو ألينا ليب. ولدى معظمهم أيضاً قنوات على Telegram؛ فإحدى القنوات التي تديرها ليب تضم حالياً أكثر من 182,000 مشترك.
ويلعب القراء العاديون أيضاً دوراً مهماً في نشر المعلومات المضللة، أي المعلومات التي لا يُعرف أنها كاذبة وتُنشر من دون قصد.
لكن لماذا هو فعال إلى هذا الحد؟
من السمات المميزة للتضليل الروسي أحجامه الهائلة وسرعة إيصالِه وتكراره المستمر وافتقاره إلى المنطق ولا مبالاته بالواقع والحقيقة الموضوعية. كما يتمتع المروجون الروس بدرجة عالية من انعدام الأخلاق، تتيح لهم، مثلاً، الادعاء بأن الغارات الجوية على مستشفى الولادة ومستشفى الأطفال رقم 3 في ماريوبول كانت مزيفة.
يحدد غيورغي بوتشيبسوف، دكتور في العلوم اللغوية ومؤلف كتب عديدة عن تقنيات الاتصال، خمسة عوامل تفسر فاعلية التضليل:
وتكتسب الجوانب النفسية أهمية أيضاً، إذ تسهّل علينا تصديق الدعاية:
جمعت قاعدة بيانات EUvsDisinfo أكثر من 6,000 حالة فردية من التضليل الموجه ضد أوكرانيا، أي ما يزيد على 40% من جميع الحالات في القاعدة.

وفقاً لتقرير «مشهد التضليل في ألمانيا»، كانت ألمانيا الهدف الغربي الرئيس للدعاية الروسية حتى قبل الغزو الروسي في فبراير 2022.
على موقع EUvsDisinfo الخاص، قام فريق بروكسل بتحديد خمس سرديات رئيسية موالية للكرملين:
بعد بدء الحرب، روّج الكرملين للسرديات التالية أكثر من غيرها:
1. "رهاب الروس» اجتاح العالم. إنه موقف مريح جداً: إذا كنت لا تؤيد جرائم روسيا، فأنت ببساطة «كاره للروس».
2. استولى النازيون على أوكرانيا. يبدو زيلينسكي هتلر الجديد، ويُصوَّر نظام كييف على أنه إرهابي، ويُفترض أن يستقبل الأوكرانيون الجيش الروسي «بباقات الزهور». وكأن لا أهمية لكون زيلينسكي من عائلة يهودية، أو لكون فكرته الرئيسة عند ترشحه للمنصب توحيد البلاد بصرف النظر، مثلاً، عن اللغة التي يتحدث بها الناس.
وفقاً للدكتور فيشمان: «هذه الدعاية محاولة لنزع الشرعية عن أوكرانيا في نظر الجمهور الروسي، الذي يعد حربه ضد ألمانيا النازية أعظم لحظاته، وفي نظر الجماهير الغربية التي قد لا تعرف الكثير عن أوكرانيا سوى أنها بجوار روسيا».
فضلاً عن ذلك، نرى تطور هذه السردية. ففي بداية الحرب، لم تكن روسيا تسمي بالنازيين إلا الحكومة، وكانت ترى الأوكرانيين ضحايا وتريد «إنقاذهم». أما الآن، فقد أصبحت الأمة الأوكرانية بأكملها عدواً، بما يضفي الشرعية على العنف ضد الناس وقتلهم.
وبينما تصرخ روسيا عن «النازيين الجدد» في أوكرانيا، لا تلتفت إلى نفسها. وبينما يتذكر العالم أجمع مأساة الحرب العالمية الثانية ويهتف «لن يتكرر أبداً»، يكتب الروس على سياراتهم «يمكننا التكرار». وعند الحديث عن خطر الحرب النووية، يقول بوتين: «لماذا نحتاج إلى عالم كهذا إن لم تكن فيه روسيا؟». ويشجع ألكسندر دوغين، أحد أبرز منظري الفلسفة الروسية الحديثة، السلطات الروسية علناً: «ينبغي قتل الأوكرانيين، قتلهم، قتلهم؛ بصفتي أستاذاً، هذا ما أراه».
3. في صيف وأوائل خريف 2022، السردية المتعلقة بأزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الروسية وتبعاتها حظيت بشعبية كبيرة في ألمانيا. ونوقش ما سُمّي «الخريف الغاضب» و«شتاء الغضب» بنشاط في وسائل الإعلام وفي الأوساط الأيديولوجية التآمرية. وتزعم الباحثة سميرنوفا أن الهدف هو تصوير أزمة الطاقة في أوروبا نتيجةً لتضامن الغرب مع أوكرانيا.
4. سرديات مناهضة للاجئين والمهاجرين. وقع أشهر مثال على هذا التضليل عام 2016، عندما بدأت وسائل الإعلام الألمانية بنشر قصة فتاة روسية-ألمانية تدعى ليزا اغتصبها مهاجرون. وكان الغرض من القصة إشعال الاستقطاب الداخلي في البلد، رغم أن هذه الفتاة لم تكن موجودة أصلاً.

لذلك، بطبيعة الحال، عندما وصل أكثر من 7.5 مليون لاجئ من أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، أصبح الأمر أحد الموضوعات المفضلة للتضليل. فعلى سبيل المثال، انتشر في ألمانيا على نطاق واسع فيديو عن حريق هائل زُعم أن لاجئاً أوكرانياً تسبب فيه، ثم اتضح لاحقاً أنه مزيف.
غير أن لهذه القصص تأثيراً قوياً في المجتمع الألماني. فقد أظهر استطلاع لمؤسسة Bertelsmann أن نسبة الألمان الذين يعتقدون أن على البلد استقبال لاجئين من أوكرانيا انخفضت من 86 بالمئة في مارس، عند بداية الحرب، إلى 74 بالمئة في سبتمبر.
وجد المركز الأوروبي للسياسات أن الحملة ضد اللاجئين الأوكرانيين، بخلاف التضليل الموجه إلى لاجئي الشرق الأوسط الذي صورهم تهديداً «ثقافياً» للأوروبيين، قدمتهم تهديداً لصحة الأوروبيين وثروتهم. وانتشرت في أنحاء الاتحاد الأوروبي قصص كاذبة ومضللة تتعلق بدعم السكن وسهولة الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والمساعدات المالية المقدمة للاجئين من أوكرانيا.
ومن الأمثلة البارزة تصريح فريدريش ميرتس، زعيم CDU (الاتحاد الديمقراطي المسيحي)، عن «سياحة الرفاه» لدى اللاجئين الأوكرانيين في سبتمبر 2022. ووفقاً لبحث tagesschau، أثارت هذا الادعاء الكاذب رسالة صوتية على Telegram تحدثت عن أشخاص من أوكرانيا يسافرون بانتظام إليها مع شركة حافلات.
ومن نتائج ذلك، مثلاً، بيانات استطلاع The OPAM، التي تؤكد أن عدداً متزايداً من الأوروبيين يعتقدون أن حكوماتهم تعامل اللاجئين الأوكرانيين معاملة أفضل من معاملتها لهم.
في عام 2021، حدد ياكوب كالينسكي، نائب مدير COI Hybrid Influence وأحد مؤسسي حملة EUvsDisinfo، 4 خطوط للدفاع ضد التضليل:
يمكن تقسيم الإجراءات الموجهة ضد التضليل إلى فئتين: ما تنفذه الدولة وما تنفذه المنظمات العامة.
تتضمن الفئة الأولى ما يلي:
يجري عمل مدققي الحقائق والمنظمات غير الحكومية ضمن:
لتحسين مكافحة التضليل، ينبغي اتخاذ الخطوات التالية:
1. من الضروري زيادة مستوى التزامن في ما يتعلق بالتدابير الموجهة لمكافحة التضليل. وهذا مهم لتجنب ازدواجية الجهود. فعلى سبيل المثال، يمكننا إنشاء نظام رصد متزامن يتتبع انتشار التضليل عبر شتى المنصات والقنوات في الوقت الفعلي. ويمكن أن تكون الحملات التعاونية وسيلة أخرى لتطبيق التزامن؛ أي تنسيق الحملات بين منظمات ومؤسسات إعلامية ومنصات اجتماعية متعددة لتبادل معلومات متسقة ودقيقة.
2. التضليل مشكلة منظومية، ولذلك لا بد من اعتماد أساليب مركزية لمكافحته. وتؤدي هذه الأساليب دوراً مهماً في إرساء صلاحيات واضحة واتخاذ قرارات فعالة في مكافحة التضليل. ونظراً إلى الطابع العالمي للتضليل، يمكن للمنظمات والاتفاقات الدولية المركزية أن تيسّر التعاون بين الدول للتصدي بفاعلية لحملات التضليل العابرة للحدود.
3. من الضروري الانتقال من «نهج الدحض» إلى «استراتيجية التحصين المسبق»، أي الابتعاد عن تدقيق وقائع القصص الكاذبة الفردية المتداولة عبر الإنترنت. وهذا مهم لأن أساليب الدحض هذه لا تتيح التدخل إلا بعد أن تكون المعلومات الكاذبة قد انتشرت بالفعل. ووفقاً لعالم النفس ستيفان ليفاندوفسكي، يتألف التحصين المسبق من عنصرين:
تتمثل ميزة هذه الطريقة في أنها تتيح لك اتخاذ «الخطوة الأولى». وكما نعلم، نحن نثق أكثر بالمعلومات التي نسمعها للمرة الأولى. وعلينا أن ندرس مسبقاً مختلف السيناريوهات المحتملة، وأن نقيّم السرديات وأساليب التضليل التي قد تُستخدم في تلك الظروف.
يتضمن تطبيق هذا النهج عدة خطوات عملية:
4. من الضروري تركيز الجهود على إنشاء نظام للرصد في الوقت الفعلي. سيتيح ذلك تقييم مدى الانتشار المحتمل للتضليل وتأثيره قبل التدخل، وجعل الاستجابة أسرع وأكثر فاعلية. ونظراً إلى تعقيد المهمة والحاجة إلى خبرات من مجالات مختلفة، سيكون فريق أو هيئة متعددة الاختصاصات الأنسب لإدارة مثل هذا النظام. ومن الأفضل إنشاء وحدة مشتركة بين الوكالات تركز تحديداً على رصد تهديدات التضليل والاستجابة لها. وتتألف هذه الوحدة من ممثلين عن وكالات حكومية مختلفة، يقدم كل منهم خبرته. ويمكن أن تشمل الجهات الرئيسة المشاركة فيها الوزارة الاتحادية للداخلية، والوزارة الاتحادية للدفاع، والوزارة الاتحادية للبنية التحتية الرقمية، وأجهزة الاستخبارات الاتحادية، ووكالات الأمن السيبراني، وغيرها.
5. رغم وجود كثير من المبادرات الرامية إلى زيادة الثقافة الإعلامية، ينبغي زيادة عددها. وتميل الجهود الحالية لمكافحة التضليل إلى تجاهل شرائح من السكان قد تكون أكثر عرضة للتأثر به. ولذلك من الضروري أيضاً، في هذا الاتجاه، استخدام التقسيم إلى شرائح، أي مراعاة الفروق بين الناس، لأن أنواعاً مختلفة من التضليل تستهدف أشخاصاً مختلفين تتفاوت فرصهم في تحسين ثقافتهم الإعلامية.
وفيما يلي بعض الجماهير المستهدفة الرئيسية التي ينبغي أخذها في الاعتبار:
6. ينبغي إيلاء اهتمام خاص لـ رفع وعي من يؤدون دور الوسيط، ولا سيما الصحفيين ووسائل الإعلام والمعلمين، لأنهم لا يتلقون المعلومات فحسب بل يملكون موارد لنشرها على نطاق واسع.
7. من الضروري رصد التزييفات، وكذلك الغرض من ظهورها؛ فعلى سبيل المثال، يهدف التضليل المتعلق باللاجئين إلى زيادة كراهية الأجانب واستقطاب المجتمع. وعندئذ يمكن إيجاد نهج شامل للمشكلة التي يُنشئها التضليل والتعامل مع عواقبها.
8. ألمانيا لا تحتاج إلى التركيز على العلاقات مع روسيا. ومن الضروري الابتعاد عن إرث Ostpolitik وتعزيز التواصل مع بلدان أوروبا الشرقية الأخرى، ولا سيما أوكرانيا.
إخلاء المسؤولية: الآراء والأفكار ووجهات النظر المعبر عنها في الأوراق المنشورة على هذا الموقع تخص المؤلفين وحدهم، ولا تمثل بالضرورة مركز الحوار عبر الأطلسي أو لجانه أو منظماته التابعة. وتهدف الأوراق إلى تحفيز الحوار والنقاش ولا تمثل مواقف سياسية رسمية لمركز الحوار عبر الأطلسي أو لأي منظمات أخرى قد يكون المؤلفون مرتبطين بها.
تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.