الرؤية الآسيوية للحرب ضد أوكرانيا

Clock Icon 8 دقائق للقراءة
سبتمبر 8, 2022

المحتويات

403 KB

تتسم نظرة الدول الآسيوية إلى الحرب ضد أوكرانيا بالغموض. وبوجه عام، اتخذت الحكومات الديمقراطية في تايوان واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب سنغافورة شبه الديمقراطية، موقفاً واضحاً مؤيداً لأوكرانيا، مشيرةً إلى أهمية دعم نظام قائم على مبادئ القانون الدولي. ومن بين دول جنوب شرق آسيا، لم تفرض عقوبات على روسيا سوى الدول المذكورة أعلاه.

عند التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين العدوان الروسي على أوكرانيا، امتنعت فيتنام ولاوس، وفي 7 أبريل، عند التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة استبعاد الاتحاد الروسي من مجلس حقوق الإنسان، امتنعت إندونيسيا وتايلاند، وصوّتت فيتنام ضد القرار.

وبذلك، فإن خطر نشوب «حرب باردة» جديدة مرتفع ليس في أوروبا فقط، بل في آسيا أيضاً، حيث قد تظهر كتلتان أمنيتان واقتصاديتان متعارضتان: كتلة تقودها الولايات المتحدة وكتلة تهيمن عليها الصين.

ومن أسباب هذا التباين الكبير في مواقف دول المنطقة أن آسيا أصبحت السوق التي تعيد روسيا توجيه نفسها إليها في ظل العقوبات الغربية.

أدّى ضغط العقوبات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى توجيه 115 ناقلة إلى آسيا من أصل 380 ناقلة غادرت موانئ الاتحاد الروسي بين 24 فبراير و18 أبريل: 52 – إلى جمهورية الصين الشعبية، و28 – إلى كوريا الجنوبية، و25 – إلى الهند، و9 – إلى اليابان، و1 إلى ماليزيا.

وبالمقارنة مع العام الماضي، تشير هذه البيانات إلى زيادة بمقدار ثمانية أضعاف في الإمدادات إلى الهند، وزيادة بنسبة 33% في الإمدادات إلى الصين، وفي الوقت نفسه انخفاض بنسبة 16% في الإمدادات إلى الدول الأخرى المذكورة. والاتجاه واضح – ففي حين يبحث مستهلكون كبار مثل اليابان عن سبل لتقليل حصة تجارتهم مع الاتحاد الروسي، لا تزيد الصين والهند إلا من هذه الحصة. ولا تنعكس مواقف الدول هذه على المستوى السياسي فحسب، بل على المستوى الشعبي أيضاً.

اليابان

منذ بداية حرب روسيا على أوكرانيا، انحازت اليابان بوضوح إلى جانب أوكرانيا، ونفّذت باستمرار سياسة إدانة العدوان وفرض العقوبات وتقديم مساعدات واسعة النطاق.

احتجاجات في طوكيو ضد الغزو الروسي

وفقاً لاستطلاع أجرته NIKKEI/Tokyo TV بعد بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، أيد 61% من الجمهور الياباني فرض عقوبات صارمة على روسيا بالتعاون مع الشركاء الأمريكيين والأوروبيين. وهذا يعادل ضعفي مستوى التأييد لدى الجمهور الياباني في مارس 2014، بعد غزو روسيا لشبه جزيرة القرم وضمّها. وفي مايو 2022، عقب فرض العقوبات وطرد عدد من الدبلوماسيين الروس، ارتفعت نسبة تأييد حكومة رئيس الوزراء كيشيدا إلى 61%، وهي أعلى نسبة منذ توليه المنصب في أكتوبر 2021. إضافة إلى ذلك، أصبح الأوكرانيون أول مجموعة كبيرة من اللاجئين يُقبل استضافتها في اليابان خلال 25 عاماً الماضية.

لا تكاد توجد وسيلة إعلام في اليابان لا تغطي الحرب في أوكرانيا. وتقدّم برامج مثل «Good Morning, Japan» و«Sunday Watch» من NHK، وكذلك TV Asahi وBS Fuji Prime News وبرامج عطلة نهاية الأسبوع على TBS، مثل «Mr. Sunday»، تغطية مفصلة للحرب في أوكرانيا. بل إن صفحة الويب لقناة NHK World الإخبارية بدأت العمل باللغة الأوكرانية. وبفضل عمل وسائل الإعلام اليابانية، تعرّف مزيد من الناس خلال الأيام الـ100 الأولى من الحرب إلى تاريخ أوكرانيا وسياستها وأسماء مدنها.

المحتويات

كانت الحادثة التي وقعت على التلفزيون الياباني، حين أجهشت المذيعة يوميكو ماتسو بالبكاء أثناء تقديمها خبر منح بوتين أوسمة للواء الذي ارتكب فظائع في بوتشا، بالغة الدلالة. وكانت قد عرضت مقاطع لأطفال يختبئون في مخبأ مصنع Azovstal للمعادن، فغلبتها العاطفة. وأشاد مستخدمو Reddit بشجاعة المذيعة، مؤكدين أن إظهار اليابانيين مشاعرهم علناً أمر نادر، إذ لا يُعد سمة مألوفة في الثقافة اليابانية. وأظهر ذلك مدى عمق صدى فظائع الحرب في نفوس اليابانيين. وأشار كثير من المستخدمين إلى أنهم بكوا أيضاً.

وإذا أخذنا في الاعتبار عشرات الملايين من أفراد الشتات الصيني والهندي في دول العالم، يجدر الانتباه إلى وسائل الإعلام الصينية، التي لا يقتصر تأثيرها على البلاد أو البرّ الرئيسي، بل يمتد عالمياً. لذلك ينبغي أن نراقب الفضاء المعلوماتي الصيني ونحلله في سياق أوسع: ما السرديات التي تُنشر فيه، وكيف تؤثر في تشكيل تصور مواطنيه للعالم.

الصين

على الرغم من أن الصين، وهي أكبر قوة اقتصادية وسياسية في آسيا، اختارت موقف «الحياد» لمصالحها ومكاسبها الخاصة، فإن وسائل الإعلام الصينية لا تزال تعرض الأحداث في أوكرانيا وفق السرديات الروسية. وفي الوقت نفسه، لم تُدن أي وسيلة إعلام صينية العدوان الروسي على أوكرانيا بأي شكل.

منذ بداية الغزو الشامل الذي شنّه الاتحاد الروسي على أوكرانيا، تبث الصحافة الصينية رسائل شديدة الالتباس، وأصبحت في بعض المواضع منصة لنشر الدعاية المناهضة للغرب والأخبار الروسية الكاذبة الصريحة. ويعمل جهاز الحزب الشيوعي الصيني بكامل طاقته لدعم روسيا. وعادةً ما تركز الدعاية الصينية مباشرةً على الأحداث داخل البلاد. غير أن الصحافة الصينية، في الأسابيع الأولى من الغزو الروسي الشامل، نشرت إلى جانب الدعاية والسرديات الروسية معلومات مضللة صريحة تفيد بأن رئيس أوكرانيا فرّ، وأن القوات المسلحة الأوكرانية استسلمت، وأن كييف سقطت. ويقتنع قراء وسائل الإعلام الصينية بأن المسؤولية عن غزو القوات الروسية لأراضي أوكرانيا المستقلة تقع في الواقع على الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة. وتتناول People`s Daily Online وGlobal Times وXinhua وThe Paper وHuanqiu وCaixin Global وSouth China Morning Post وغيرها باستمرار مشاعر العداء للولايات المتحدة ولحلف الناتو.

كتبت وكالة الأنباء الحكومية Xinhua في منتصف أبريل أن الولايات المتحدة تشعل حرباً في أوكرانيا بغية إضعاف أوروبا. كما اتهمت People’s Daily Online حلف الناتو مراراً باستفزاز الغزو الروسي لأوكرانيا. وفي أوائل أبريل، نشرت الوسيلة مقالاً زعم أن الولايات المتحدة دبّرت الثورة البرتقالية عام 2004 وميدان عام 2014، ودعمت حكومة موالية للولايات المتحدة في أوكرانيا، وشجعت أوكرانيا على الانضمام إلى حلف الناتو، محولةً إياها إلى بيدق في المواجهة مع الاتحاد الروسي. وكما هو معروف، فهذه سردية نمطية من الدعاية الروسية.

كذلك لا تعرض وسائل الإعلام والقنوات الرسمية مقاطع فيديو أو صور الدمار في أوكرانيا، ولا تجري مقابلات مع الأوكرانيين الذين يصفون الصعوبات أو الخسائر الناجمة عن الحرب.

وفقاً لتقرير لصحيفة WSJ، لم تتضمن سوى 2% من النشرات الإخبارية حديثاً مباشراً للرئيس الأوكراني زيلينسكي. غير أن الأمر اقتصر على تلك الاقتباسات من الرئيس الأوكراني التي وبّخ فيها الغرب لعدم تقديمه مساعدة كافية لأوكرانيا وطلب التدخل. وبهذه الطريقة، لمّحت وسائل الإعلام الصينية إلى «مشاركة الغرب» في تأجيج الحرب.

أما الأحداث الدامية في إيربين وبوتشا، التي صدمت المجتمع الدولي، فلم يذكرها الصحفيون الصينيون إلا لتكرار أطروحة الكرملين القائلة إن العدد الهائل من الضحايا بين السكان المدنيين ليس سوى «تمثيلية أوكرانية» و«زيف».

بين 28 مارس و5 أبريل 2022، أجرى Carter Center China Focus استطلاعاً للرأي العام الصيني بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا. وتظهر النتائج أن 75% من المستجيبين يوافقون على أن دعم روسيا في أوكرانيا يصب في المصلحة الوطنية للصين، وأن نحو 60% منهم يؤيدون وساطة الصين لإنهاء النزاع.

وبذلك تحاول الصين استخدام الحرب في أوكرانيا للترويج لأطروحات دعايتها الخاصة المناهضة للغرب

الهند

رغم أن الهند تنتمي إلى العالم الديمقراطي، فإنها لا تتصرف دائماً على هذا النحو في الساحة الدولية، وتفضّل بالأحرى التعاون مع الأنظمة الاستبدادية المناهضة للغرب.

مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، اتخذت الهند رسمياً موقفاً محايداً. فمن جهة، لا تؤيد البلاد العدوان الروسي علناً وتدعو إلى وقف فوري للأعمال القتالية وحل النزاع بالوسائل الدبلوماسية. ومن جهة أخرى، تتجنب الهند انتقاد أفعال الاتحاد الروسي علناً، وترفض الانضمام إلى العقوبات الغربية أو فرض عقوبات خاصة بها، بل تزيد تعاونها مع روسيا.

إلى جانب ذلك، تشارك البلاد في تقديم المساعدات الإنسانية لأوكرانيا، كما أن نسبة كبيرة من جنود الفيلق الدولي لأوكرانيا هم من الهند.

وخلافاً لليابان أو الصين، لا يوجد في الهند توافق بين الحكومة والسكان بشأن الحرب في أوكرانيا. وتكرر معظم وسائل الإعلام الموالية للحكومة في الهند السردية الروسية للأحداث. كما يُسمع الخطاب المناهض للغرب كثيراً في وسائل الإعلام المحلية. غير أن وسائل الإعلام الأكثر ليبرالية تدين بقوة العدوان الروسي والإرهاب ضد السكان المدنيين والعنف الذي يمارسه الجيش الروسي.

يدعم الرأي العام في الهند، بخلاف مواطني كثير من الديمقراطيات الكبرى الأخرى، حياد الهند عموماً وجهود نيودلهي لتحقيق توازن بين الحفاظ على علاقات ودية مع روسيا والغرب. وفي الوقت نفسه، يتخذ الرأي العام موقفاً مؤيداً لروسيا إلى حد كبير، وهو ما يتماشى مع موقف الحكومة الوطنية الحالية ووسائل الإعلام المحلية الرئيسية التي تدعمها. وبذلك، يؤيد 62% من السكان استمرار العلاقات الودية مع روسيا.

في مارس، نظم أعضاء منظمة Hindu Sena الهندية اليمينية تظاهرة في نيودلهي دعماً لروسيا وغزوها لأوكرانيا. وكانت الهتافات الرئيسية للتظاهرة: «روسيا، قاتلي، نحن معك» و«عاشت العلاقات الهندية الروسية». كما أيدت لافتات أخرى الغزو و«روسيا غير المنقسمة» صراحةً. وعلى الرغم من أن Hindu Sena مجموعة سياسية صغيرة نسبياً، فهي ناشطة في 16 ولاية في الهند ولديها أكثر من 1 مليون متابع على وسائل التواصل الاجتماعي.

لم تندلع في البلاد احتجاجات كبيرة مناهضة للحرب منذ بدء الغزو، ومنذ بداية الحرب لم تُسمع إلا أصوات قليلة تنتقد رفض الهند المشاركة في دعم أوكرانيا وتدعو الحكومة إلى إدانة روسيا لغزوها دولة ذات سيادة.

تكشف مقارنة ردود الفعل على الغزو الروسي لأوكرانيا في الدول الآسيوية المختلفة عن انقسام ملحوظ بين مواقفها. ويؤدي التنافس بين الصين والولايات المتحدة وديناميات القوة الكامنة حالياً إلى تعقيد الشراكات والتحالفات، ولا سيما ميثاق AUKUS الجديد، والتحالفات المضادة في المنطقة، ما يؤثر في استجابة الحكومات للحرب الروسية ضد أوكرانيا. وبوجه عام، تدعم الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة أوكرانيا، بينما تحاول دول أخرى الموازنة أو تدعم روسيا علناً. فعلى سبيل المثال، قد يدفع التنافس الاستراتيجي للهند مع الصين البلاد إلى الوقوف إلى جانب أوكرانيا، لكنها لم تُدِن روسيا بسبب شراكتها الدفاعية التقليدية مع الاتحاد الروسي. ولذلك، لا تؤدي اعتبارات السياسة الخارجية وحدها دوراً حاسماً في استجابة الحكومات والجمهور للحرب في أوكرانيا، بل تؤديه أيضاً عوامل إضافية.

تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.