

كان تشكك روسيا في الولايات المتحدة واضحًا دائمًا، إذ تُرى منافسًا لروسيا تبدو «قوية». وفي الوقت نفسه، أدت الخطابات المتصاعدة قبل الحرب بشأن الخطر المتخيَّل من حلف الناتو، ومن أمريكا، ومن أوكرانيا التي تريد التعاون معهما، إلى تعميق الانقسام في نظرة الروس إلى الغرب. وخلال الحرب على أوكرانيا، التي يُزعم أن فيها «قواعد أمريكية» وفقًا للدعاية الروسية، تتبلور الولايات المتحدة بصورة أعمق من أي وقت مضى كعدو في نظر المحتلين. وإلى جانب ذلك، لطالما أُلقي باللوم على أمريكا الوهمية في فقر الروس، لذلك يرون أيضًا بصمةً أمريكية في الحرب مع أوكرانيا.

وفقًا لاستطلاع مركز ليفادا بعد بداية الحرب، كانت أغلبية ساحقة من الروس (72%) تحمل موقفًا سلبيًا تجاه الولايات المتحدة ، ولم يحمل سوى 17% موقفًا إيجابيًا، بينما كان ثلث الروس في فبراير يحملون موقفًا إيجابيًا، وكان ما يزيد قليلًا على نصفهم يحمل موقفًا سلبيًا. غير أن التحول إلى الموقف السلبي لم يأتِ من أصحاب الموقف الإيجابي وحدهم؛ إذ كان بعضهم في السابق عاجزًا عن تحديد موقفه، أما الآن فلم يبقَ من المترددين سوى 1% بعدما كانوا 13%. ولذلك فإن غالبية غير المسيسين الذين لم يرغبوا في التعبير عن رأيهم من قبل يرون هم أيضًا الولايات المتحدة عدوًا الآن.
إن صورة القيادة العالمية مشوهة بشدة لدى الروس في الوقت الراهن. فعلى سبيل المثال، يعتقد 29% منهم أن روسيا تحظى باحترام كبير في العالم، ويرى 37% أنه يُرجح أن تحظى بالاحترام. ومع ذلك، فإن أكثر من النصف متأكدون من أن الولايات المتحدة لا تحظى بالاحترام في العالم، ومن المفارقات أن هذه النظرة تتعايش لدى الروس مع الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تؤثر في معظم البلدان والشركات، بل وحتى في رواتبهم.

وينطبق الأمر نفسه على السياسيين. فعلى سبيل المثال، شولتس وماكرون، بفضل ولائهما الأكبر لبوتين وعلاقاتهما التجارية، لا يزالان يحظيان بالاحترام في روسيا، بينما يرى أكثر من 80% من الروس أن بايدن وزيلينسكي معاديان. وفي أوكرانيا، يُنظر إلى هذا الموقف على أنه شرف، ولذلك فإن احترام القيادة الألمانية والفرنسية الذي تعبر عنه الأمة المعادية يكشف افتقارهما إلى دعم أوكرانيا دعمًا كاملًا. وليس من المستغرب أن تنشئ روسيا «قوات بوتين» من الجدات الفقيرات اللواتي يكرهن بايدن ويلقين عليه اللوم في كل متاعب شيخوختهن التعيسة.
في المقابل، ليس هناك كثير من القادة السياسيين الذين يحظون باحترام كامل لدى الروس: فإلى جانب بوتين، هناك أيضًا من نصّب نفسه رئيسًا لبيلاروسيا الواقعة تحت الاحتلال السياسي، وهو لوكاشينكو، وشي جين بينغ الذي يحظى باحترام أغلبية ساحقة.
وفقًا لـ62% من الروس، ينبغي لدولتهم أن تحد من نفوذ الولايات المتحدة بأي وسيلة، و لا يعتقد سوى 30% أنه من الضروري إبقاء سبل التعاون مفتوحة. وكان 38% يرون سابقًا أن من الأفضل الانفتاح على التعاون. وهكذا، فإن وتيرة التغير هنا ليست سريعة، لكنها تتجه نحو التراجع. وعلاوة على ذلك، حتى بين الجيل الأصغر سنًا (من 18 إلى 24 عامًا، أو ما يُسمى بالجيل Z، الذين نشأوا على الكوميديات الأمريكية ويأسفون كثيرًا لإغلاق ماكدونالدز)، يؤيد 56% الرأي القائل بوجوب تقييد التعاون مع الولايات المتحدة، ولا يؤيد التعاون سوى أكثر قليلًا من ثلثهم.

إن وتيرة تطور الأفكار حول مخاطر القوة العسكرية الأمريكية سريعة بصورة ملحوظة. ويعتقد الآن 58% من الروس أن هذه القوات خطيرة جدًا على روسيا، مقارنة بـ35% في السنوات السابقة. وينتشر هذا السرد على نطاق واسع في وسائل الإعلام ويُشار إليه باعتباره ذريعة وهمية لغزو أوكرانيا. ولا تستند هذه المخاوف إلى أي أساس عقلاني؛ إنها ببساطة رسالة مناسبة لتبرير الغزو، وقد ترسخت في الرأي العام الروسي لسنوات وكان من السهل جدًا فرضها على المجتمع. وينطبق الأمر نفسه على حلف الناتو بوصفه تحالفًا: فـ56% متأكدون من أنه شديد الخطورة على روسيا، رغم أن ربعهم فقط كان ينظر إليه سابقًا بهذه الحدة.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الروس لا يعتقدون أنهم أعداء العالم، ولا سيما في السياق الأوروبي: سواء من حيث تشككهم الأقل في قادة الاتحاد الأوروبي أو تصورهم لمكانة روسيا في أوروبا. فعلى سبيل المثال، لا يزال 64% يعتقدون أن روسيا كانت وما زالت جزءًا من أوروبا، وهي نسبة تكاد تماثل ما كانت عليه سابقًا (إذ كانت 68% في 2016). وعلاوة على ذلك، ازداد عدد المتيقنين من ذلك زيادة طفيفة. لذلك لم تفقد عملية التكامل الاقتصادي لروسيا في أوروبا آخر خيوطها بعد، بينما يجتمع في الرأي العام الروسي كرهٌ متناقض للغرب واستعداد متزامن لاعتبار روسيا قائدًا عالميًا. ويعيش كثير من الروس في ألمانيا ويتقاضون رواتب أوروبية، وفي الوقت نفسه يقودون سيارات ألمانية إلى مسيرات دعم الاتحاد السوفيتي (USSR) وروسيا. كما يبصقون في شوارع برلين على الأوكرانيين الذين يحاولون الآن النضال من أجل القيم الأوروبية. وفي الوقت نفسه، تتعمق الفجوة بين روسيا والولايات المتحدة وتترسخ خلال حرب «التحرير»، وفقًا للدعاية الروسية، مبادئ الكراهية والاتهامات التي فُرضت منذ زمن طويل.
تُرجم هذا النص تلقائيًا من الأصل باللغة الإنجليزية، الذي يظل متاحًا عند تغيير لغة الموقع إلى الإنجليزية.